لأن (ما) لا يُعبَّر به عن أعيان العقلاء مجردًا، ولا عن العدد، لأنه محال أن يعني نكاح العدد، وإن عنى المعدود فالكلام راجع إلى أن يكون عبارة
عن العقلاء، فيجب أن يكون عبارة عن الزمان، فكأنه قال: اعقدوا
وقت ما يطيب لكم، والمخالف يوجبه طاب لنا أو لم يطب.
فإن قيل: معناه ما تاقت أنفسكم إليه، قيل: إن عنى ما تاقت
نفسه إلى العقد فليس ذلك مذهبًا لأحد، وإن عنى المخالف: ما
تاقت نفسه إلى الجماع، فلم يجر للجماع ذكر.
وقد تقدَّم الكلام في العول، فقول من قال:
ذلك أدنى أن لا تجاوزوا ما فرض الله.
وقول من قال: أن لا تميلوا، يرجعان إلى أصل واحد.
وقول الشافعي معناه: أن لا يكثر عيالكم.
وقد ذهب إلى هذا التأويل
زيد بن أسلم، وأجازه الأصمعي، وابن الأعرابي.
ومنه قيل: فلان يعول عشرة، وقال ابن داود: غلط
الشافعي، لأن صاحب الإِماء في العيال كصاحب الأزواج.
وابن داود لم يتصوّر ما قاله الشافعي، وذاك أنه لم يُرِد إلا ما أراد
غيره من حقيقة المعنى، وإنما تحرّى اشتقاق اللفظ، ولم يُرِد بالعيال
الأولاد، وإنمّا أراد النساء، فقد يُسمَّى كل من تسمونه العيال، وإن
لم يكن أولادًا، وأراد تعالى إن خفتم أن يكثر نساؤكم، فتحتاجوا
إلى تفقدهن بأمور تقصرون عنها، ولا يكون في مراعاتها إقساط.
وهذا راجع إلى ما ذهب إليه الآخرون.
قوله تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا(4)
فالنحلة: العطية التي لا يُطلب بها عوض، وأصله عندي من النحل.
فكأنَّ نحلتهُ: أعطيته عطية النحل، وذلك ما قصده الحكماء من
وصف النحل في أنه لا يضر بشيء ، وينفع أعظم نفع، وكأنه إلى
ذلك أشار بقوله: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) الآية،
والنِّحلة أخصّ من الهبة، إذ كل هِبة نِحلة، وليس كل نِحلة هِبة.