وأمّا من حيث المعنى: فإن إعادة الأمر بالتقوى فلاقتران
ذكرها بصفة تحثُّ سامعها على استعمال التقوى، كقولك: اتقِ
الله الذي تخافه، واتقِ الله الذي بيده الخير.
فهذه الصفات هي التي تُحَسِّنُ التكرير.
فإذا نصبت الأرحام ففيه هذا المعنى.
وإذا جررته لم يكن في ضمنه من التحذير ما فيه إذا نصبتَه.
وإنما قال: (وَخَلَقَ مِنْهَا) ردًّا إلى لفظ النفس، وكلُّ اسم جنس، لفظه
مخالف لمعناه أي، التذكير والتأنيث، فلك اعتبار اللفظ طورًا
والمعنى طورًا، نحو: حمامة ونفس، وإذا كان عَلمًا نحو:
طلحة. أو صفة نحو: علَّامة ونسَّابة، فليس إلا اعتبار المعنى
دون اللفظ.
والرَّقيب. قال مجاهد: هو الحفيظ، وقال ابن زيد: عليم).
وكلاهما صحيح، فحافظ الشيء يقتضي أن يكون عالمًا
به ليمكنه أن يحفظه، وبيَّن بقوله: (كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) أنه قبل
أن خلقكم وأوجدكم كان مراعيًا لكم، تنبيهًا أنه لا يخفى عليه
أمركم في كل حال.
قوله تعالى: (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا(2)
الخبيث والطيِّب: عبارتان عن الحرام والحلال، أي تدفعوا
إليهم شيئًا هو طيِّب لكم، وتأخذوا من مالهم ما هو خبيث لكم.
طلبًا للربح. هذا قول الضّحّاك والسُّدِّي.
وقيل: لا تتبدلوا الهزيل بالسمين.
وقيل: الطيِّب مقدار ما أبُيح تناوله من مال
اليتيم، والخبيث ما لم يُبح منه، وهو المشار إليه بقوله: (وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا) .
وكل هذه الأقوال إشارات إلى ما يقتضيه عموم الخبيث والطيب.
والحَوب: الإِثم لكونه مزجورًا عنه، من قولهم: حاب حَوْبًا
وحُوبًا وحِيَابة، والأصل فيه حَوْب لزجر الإِبل، وتحوّب