أما المخالفون للأحناف فيما ذهبوا إليه فيرون أن المراد من الأقربين الوالدان والأولاد ونحوهم وحينئذ لا يدخل فيهم ذوو الأرحام. وعلى رأى هؤلاء المخالفين يكون عطف الأقربين على الوالدين من باب عطف العام على الخاص.
كذلك استدل الأحناف بهذه الآية على أن الوارث لو أعرض عن نصيبه - قبل استحقاقه - لم يسقط حقه.
ثم أمر الله تعالى عباده بالتعاطف والتراحم، ولا سيما عند تقسيم الميراث، وإعطاء كل ذي حق حقه فقال تعالى:
[سورة النساء (4) : آية 8]
وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (8)
والمراد بالقسمة: التركة التي تقسم بين الورثة.
والمراد بذوي القربى هنا - عند جمهور المفسرين -: الأقارب الذين لا ميراث لهم في التركة.
والمراد باليتامى والمساكين: الأجانب الذين لا قرابة بينهم وبين الورثة.
والمعنى: وإذا حضر قسمة التركة ذوو القربى ممن لا نصيب لهم في الميراث، واليتامى الذين فقدوا العائل والنصير، والمساكين الذين أسكنتهم الحاجة وأذلتهم وصاروا في حاجة إلى العون والمساعدة فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ أي فأعطوهم من الميراث الذي تقتسمونه شيئا يعينهم على سد حاجتهم، وتفريج ضائقتهم وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً أي قولوا لهم قولا جميلا يرضاه الشرع، ويستحسنه العقل، بأن تقولوا لهم - مثلا -: خذوا هذا الشيء بارك الله لكم فيه، أو بأن تعتذروا لمن لم تعطوه شيئا. والآية الكريمة معطوفة على الآية السابقة عليها وهي قوله - تعالى - لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ .. إلخ.
وليس المراد من حضور ذوى القربى واليتامى والمساكين أن يكونوا مشاهدين للقسمة، جالسين مع الورثة، لأن قسمة الأموال لا تكون عادة في حضرة هؤلاء الضعفاء، وإنما المراد من حضورهم العلم بهم من جانب الذين يقتسمون التركة، والدراية بأحوالهم، وأنهم في حاجة إلى العون والمساعدة.