(مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا) هذا تأكيد لحق النساء في التركة، وقد أكده مرتين - أولاهما - أنه يجب في كل تركة قليلة أو كثيرة فليس حقها تسامحا يعطى، ولكنه حق ثابت، لَا يُقَدم حق للرجل، ويؤخر حق المرأة، بل يثبتان معا في القليل والكثير، ولا تسامح في القليل - ثانيهما قوله: (نَصِيبًا مَّفْرُوضًا) وهي منصوبة على الاختصاص، والاختصاص يفيد العناية أي قدرا عناه الله تعالى وقصده (مَّفْروضًا) أي مقطوعا لَا سبيل إلى الهوادة فيه، والاكتفاء ببعضه نزرا يسيرا، أو مقدارا كبيرا، فلا بد من إعطائه كاملا غير منقوص.
(وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا(8)
هذا النص الكريم ورد في الأقارب الذين لَا ميراث لهم كما قال أكثر المفسرين، ولكن القارئ للنص يرى أنه أوسع شمولا؛ لأنه يشمل المساكين واليتامى بإطلاق، وإن لم يكونوا أولي قربى، والمساكين هم الفقراء الذين أسكنتهم الحاجة
وأذلتهم، وليس المراد من حضورهما أن يكونوا مشاهدين للقسمة؛ لأن قسمة الأموال لَا تكون عادة في حضرة هؤلاء الضعفاء، وإنما المراد العلم بهم من مُقَسِّمي التركة علم حضور ومعاينة، ومعنى الرزق إعطاؤهم مالا ينفقون منه، ويسدون منه حاجاتهم بحيث لَا يكونون أثرياء. والأمر في قوله تعالى: (فَارْرقُوهم) . قال بعض التابعين: إنه للندب، فعلى الورثة أن يَرْضَخُوا مقدارا من المال ندبا، وحجة هؤلاء في أن الطلب للندب أنه غير مقدر، والفرض الذي يكون لازما من المال لَا بد أن يكون مقدرا، وقد كان الصحابة يفعلون ذلك، حتى إنه يروى أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قسم ميراث أبيه، وأم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - على قيد الحياة، فلم يدع في الدار أحدا إلا أعطاه.