· يجب أن لا نتعسف في نسبة فتور لداعية في ميدان لم يخلق له، بل كل ميسر لما خلق له، وليس الاتصال بالناس ونشر الدعوة بينهم هو المقياس الوحيد لجدية الداعية، بل يمكن أن يكون موهوبا في الفقه، فانسب له الفتور في التفقه إن عطل ذكاءه وموهبته، ويمكن أن يكون موهوبا في الأدب، ولك أن تفتش عن أسباب قلة كتابته وانسداد قريحته، وقد يكون ماهرا في التحليل السياسي، فتستغرب أن لا يكتب التقارير أو المقالات، أما أن تريد من الشاعر دق أبواب الناس، ومن السياسي التشمير مع الناشئة ورحلاتهم وتجوالهم، فقد أرهقت نفسك مثلما أرهقتهم.
· إن التحقيق الذي يقترن به استحضار هذه الموازين في فهم النفس وأحوالها وما ينتظر لها أو يوهب لها: يبدي أن دارنا ليس فيها متهم، بل الكل ثقات، والجميع نبلاء، ولكن الهموم استولت فربطت أقدامًا مسرعة، ولفت أشرعة مبسوطة، وأثقلت أجنحة لطالما رفرفت.
· إنها زيادة هم استولت فدوخت، ليس ثم كسل وتفريط وفتور ونقص همة.
· نعم، هناك فتور وضعف في الهمة، لكنه لا يظهر كعائق نفسي أصيل، وإنما هو ظاهرة عرضية جانبية لواقع صعب، والكشف عن الأسباب والجذور المكنونة لهذا الواقع وتشخيصها أول العلاج، وثم مبتدأ الجواب.
· قد يكون الداعية مشتاقًا للبذل، محبا للعمل، لكن تعقله متاعب تثيرها زوجه، أو رسوب في امتحان، أو خسارة في تجارة، أو علاقة متوترة مع رئيس في المهنة.
· وهل من داعية اليوم تخلو حياته من أن يعكرها ظلم مركب متعدد الأنواع، من بين قتل قريب أو حبيب، أو سجن حتى قضبان الزنزانة تمل من طوله وتضجر من قسوة وراءها، أو تشريد إلى دار هجرة يقل فيها مورده من بعد عز، ويضطر فيها أن يداري، ويغض الطرف ويسكت ، وقد كان هو من قبل أستاذ الصراحة، فصيح اللسان رفيع الصوت؟
· وأي داعية أصبح لا يقول للصعلوك الثوري في بلده، أو للحدث الحالي في دار هجرته: أيها الأستاذ، وأحدهما لا يساوي فلسين أحمرين؟