وفى العصور القديمة كان الإملاء إحدى طرق التأليف ، وكان العالم يجلس في المسجد أو أى مكان عام ومن حوله تلاميذه ومريدوه ، يكتبون عنه ما يمليه فالسيوطى يذكر أن الإملاء كان أعظم وظائف الحفاظ من أهل الحديث (6) وابن النديم يذكر أن ابن الأعرابى"أملى على الناس ما يحمل على أجمال" (7) وتراثنا العربى يحفل بكتب كثيرة تحمل في عناوينها كلمة"الأمالى"أو"المجالس"وقد أحصاها حاجى خليفة في كتابه"كشف الظنون"ومن بعده إسماعيل البغدادى فى"إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون"وأشهرها أمالى أبى علاء القالى ومجلس ثعلب.
وقد انتشرت مجالس الإملاء في الحواضر الإسلامية خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين وتحدث الخطيب البغدادى في مواضع متفرقة من"تاريخ بغداد"عن تلك المجالس (8) ووصف ضخامتها وكيف أن بعضها كان يحضره عشرات الألوف وربما تجاوز عدد الحاضرين مائة ألف كمجلس عاصم الواسطى (ت 221هـ) (9) وكان طبيعيا ألا يسمع صوت الشيخ تلك الأعداد الكبيرة من السامعين ولهذا ظهرت فئة"المستملين"الذين يرددون كلام الشيخ وراءه كل منهم يبلغ صاحبه حتى تسمع جموع الحاضرين (10) ومهما تكن في هذه الأرقام من مبالغة،فإنها تدل على تضخم تلك المجالس لدرجة تلفت الانتباه.
أ.د/عبد الستار عبد الحق الحلوجى