ثم إذا كان هؤلاء المدعون يأخذون على الإمام على دخوله في الصراع مع أهل الشام فكيف يفسرون إسراعه إلى الصلح عندما وجد فرصة للصلح والمفاوضات، مما يدل على أنه - رضي الله عنه - كان يود حل المشكلة بأي وسيلة سنحت له؛ ولأجل ذلك رضي بالتحكيم.
يقول د. فهمي عبد الجليل:"والحقيقة التي لا شك فيها أن أمير المؤمنين عليا بادر إلى قبول ما عرضه أهل الشام بل رحب باستجابتهم إلى حكم القرآن، وقال لما سمع برفعهم للمصاحف:"أنا أولى بذلك، بيننا وبينكم كتاب الله". ( [4] ) لكن ما ذنب الإمام علي في أن يفشل الحكمان؟!"
ويعرض د. فهمي عبد الجليل خطورة القرار الذي توصل إليه الحكمان والنتائج الوخيمة التي ترتبت عليه قائلا:"وبعدما فشل الحكمان في الاتفاق على اختيار أحد للخلافة، لم يجدا بدا من إعلان الأمر الذي اتفقا عليه وهو عزل علي ومعاوية، وترك الأمر شورى للمسلمين يولون عليهم من أحبوا، لكنهما بهذا لم يفيا بالعهد الذي قطعاه على نفسيهما للمسلمين أن عليهما عهد الله وميثاقه أن يحكما بين هذه الأمة ولا يرداها في حرب ولا فرقة، فهما لم يقدرا نتائج هذا القرار الذي أعلناه في دومة الجندل، ولم يقدرا أن هذا القرار سيؤدي إلى عودة الحرب بين أهل العراق وأهل الشام، بل إنه سوف يكسب موقف أهل الشام شرعية جديدة في خلافهم مع علي وأنصاره من أهل العراق حيث أعفاهم هذا القرار من وجوب البيعة لعلي، وأعطاهم حق اختيار من يرونه أهلا للخلافة؛ ولهذا حكم علي - رضي الله عنه - على قرار الحكمين بالفساد، ومجافاة حكم القرآن فقال:"
ألا إن هذين الرجلين اللذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما، وأحييا ما أمات القرآن، واتبع كل منهما هواه بغير هدي من الله، فحكما بغير حجة بينة، ولا سنة ماضية، واختلفا في حكمهما، وكلاهما لم يرشد ( [5] ) .
ثانيا. نبوغ الإمام علي - رضي الله عنه - السياسي وخبرته الإدارية: