ولا شك أن بعض أبناء البيت الأموي تأثروا بنزعتهم العصبية نحو الأسرة الأموية، في موقفهم من المطالبة بالثأر لعثمان والقصاص ممن اتهموا بقتله، ولكن الآخرين من المسلمين - وعلى رأسهم بعض كبار الصحابة الذين سعوا إلى القصاص - لم تحركهم دوافع خاصة إلى اتخاذ هذا الموقف، ولم يدفعهم إلى ذلك سوى شعورهم بالواجب نحو إقامة حد من حدود الله، فيه إعزاز لشرع الله، وفيه استعادة لهيبة السلطان، واندساس المشبوهين والمتهمين من السبئية وزعماء الفتنة حول أمير المؤمنين على جعل طائفة كبيرة من المسلمين تمتنع من البيعة له بالخلافة، ومنهم غالبية أهل الشام وجماعة العثمانية بمصر والعثمانية بالبصرة، بل إن بعضهم تمادى به سوء الظن إلى اتهام أمير المؤمنين على بالاشتراك في قتل عثمان" ( [2] ) ."
وهكذا اشتعلت الفتنة بين طائفتين عظيمتين من المؤمنين، أدت إلى حد الاحتكام للسيف والقتال بين أهل العراق تحت قيادة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأهل الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان، ولما كان القتال بين المؤمنين بعضهم لبعض امتنع أهل المدينة وكبار الصحابة من الخروج مع علي، فلم يخرج معه إلا ستة أو سبعة من أهل بدر، ومن الذين أبوا الخروج معه سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن سلمة، وحجتهم في ذلك أنهم لا يقاتلون أهل القبلة من المسلمين، ودارت الحرب بين أهل الشام وأهل العراق، هؤلاء يدعون إلى علي بالبيعة وتأليف الكلمة على الإمام، وهؤلاء يدعون إلى التمكين من قتلة عثمان، ويقولون: لا نبايع من يؤوي القتلة، وعلى يقول: لا أمكن طالبا من مطلوب ينفذ فيه مراده بغير حكم ولا حاكم، ( [3] ) وهكذا تشعبت الأمور وعظم الخطب.