ويستفاد من الخبر: بيان إكرام معاوية لإخوانه الصحابة ووفادتهم عليه رضي الله عنهم أجمعين، كما قصدت دفع الإيهام الذي قد يثيره بعض أهل الهوى ممن تنقلب الفضائل في مخيلتهم إلى مثالب، وأطلت قليلًا في هذا لأني وجدت بعض محدثي الرافضة النوكى يحرف معنى الخبر ويحمله ما لا يحتمل مما هو ومشايخه أولى به.
قال المعلق على المسند [ (38/26) طبعة الرسالة] :"ولعله قال ذلك لما رأى من الكراهة والإنكار في وجه بريدة؛ لظنه أنه شراب محرم. والله أعلم."
قلت: هذا تجويز من قائله ولم يرد في شيء من مصادر الخبر نقل كراهية بريدة أو إنكاره، فضلًا عن رده وامتناعه عما ناوله معاوية، ولو كان بريدة رضي الله عنه يظن ذلك لما جلس هذا المجلس ولنقل ابنه استفهامه على أقل تقدير. وقد قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر» .
ثم إن مما يتبادر للذهن أن الشراب هو اللبن، بدليل أن معاوية في سنه هذه لا يفضل عليه غيره كما في آخر الخبر. والله أعلم
ولا يعقل أن لا تتضمن الرواية عدم كراهية بريدة أو إنكاره ذلك لو كان خمرًا كما يزعمون. وإن آخر ما يمكن أن يفهم هو أن معاوية شرب الخمر، كيف وهو ينص في الخبر ذاته على أنه لم يشربها قط منذ أن حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
ومعاوية هو راوي حديث جلد الشارب ثلاثًا ثم قتله في الرابعة، ومن شدته في مسألة المسكر أنه أمر بقتل السكران إذا قتل مع أن بعضهم لا يوقعه.
والإشكال هو أن معاوية لما ناول بريدة الشراب، قال:"ما شربته منذ حرمه النبي صلى الله عليه وسلم".