فهرس الكتاب

الصفحة 954 من 5466

فظن بعضهم أن الضمير هنا يعود على الشراب الذي ناوله لبريدة، وهذا غلط شديد جدًا؛ لأن الضمير هنا لا يعود على ذلك الشراب بل هو ضمير في مكان شيء ظاهر يقول فيه النحويون: أضمر في مقام الإظهار، أي: أنه جاء بالضمير عوضًا أن يأتي بالاسم الظاهر، والعرب تستعمل هذا كثيرًا، إذا أرادت أن تتكلم عن شيء تستشنعه وتستقذره وتستحيي من التلفظ به، تأتي بالضمير ولا تأتي بالظاهر، وهذا من جمال لغة العرب.

وضع معاوية الشراب في يد بريدة ثم قال: ما شربته، أي الخمر منذ حرمه النبي صلى الله عليه وسلم، وكان حقه أن يقول: ما شربت الخمر منذ حرمه النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه جاء بالضمير عوض الظاهر استشناعًا للنطق باسم الخمر.

وهذا دليل على فضله ومبالغته في التحرز من الخمر، فالذي يستشنع مجرد النطق باسم الخمر، كيف يشربه؟!

وقد أبلغ في الغلط من تصور أن الضمير في قوله: (ما شربته) يرجع إلى الشراب الذي بين أيديهم.

ويقال هنا: كيف ذكر الخمر؟ وما وجه الحديث عنه؟

فالجواب: أن هذا من باب الاستطراد، وهذا جارٍ على عادة العرب، فالاستطراد: هو ذكر الشيء في غير محله لمناسبة داعية إلى ذلك.

مثاله: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن طهارة ماء البحر فأجاب عن ذلك، واستطرد لذكر حكم الميتة التي لم يسأل عنها. وهذا من الاستطراد المحمود. ولذلك يقولون: الشيء بالشيء يذكر.

فمعاوية لما رأى شرابًا على مائدته، ذكره ذلك بالشراب الذي كانوا عليه في الجاهلية لا يفارق موائدهم ألا وهو الخمر، وكيف أنهم استبدلوه باللبن، فالمناسبة قوية للغاية، وهذا هو الدليل من مصنف ابن أبي شيبة (6/188) :

حدثنا زيد بن الحباب عن حسين بن واقد قال: حدثنا عبد الله بن بريدة قال: قال دخلت أنا وأبي على معاوية فأجلس أبي على السرير وأتى بالطعام فأطعمنا وأتى بشراب فشرب، فقال معاوية: ما شيء وأنا شاب فآخذه اليوم إلا اللبن؛ فإني آخذه كما كنت آخذه قبل النوم، والحديث الحسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت