لعمر رضي الله عنه مذهب في الإقلال من الرواية ، قال الحافظ الذهبي (21) عقب الرواية - التي فيها نهي عمر -:"هكذا هو كان عمر رضي الله عنه يقول: أقلوا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وزجر غير واحد من الصحابة عن بث الحديث ، وهذا مذهب لعمر ولغيره انتهى."
قلت: والرواية التي ذكرها الذهبي أخرجها الحاكم في المستدرك عن قرظة ، أن عمر ، رضي الله عنه قال لهم: « أقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه و سلم و أمضوا و أنا شريككم» (22) .
فإن قيل:
هل كان هذا مذهبًا لعمر وحده بين الصحابة؟
الجواب:
لم يكن هذا مذهبًا لعمر وحده ، بل شاركه فيه غيره من الصحابة رضي الله عنهم ، فعند البخاري عن أنس بن مالك قال:"إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثًا كثيرًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من تعمد علي كذبًا فليتبوأ مقعده من النار ."
وعند البخاري أيضًا عن عبد الله بن الزبير قال: قلت للزبير: إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يحدث فلان وفلان ، قال: أما إني لم أفارقه ، ولكن سمعته يقول: من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار .
فهذا أنس والزبير يتجنبان كثرة التحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وفي مقدمة صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة .
وفي البخاري عن عليّ رضي الله عنه قال: حدثوا الناس بما يعرفون ، أتحبون أن يكذب الله ورسوله.
فابن مسعود وعليّ رضي الله عنهما من مذهبهما ترك التحديث ببعض دون بعض ، وهو مذهب أبي هريرة رضي الله عنه كما في البخاري عنه أنه قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين ، فأما أحدهما فبثثته ، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم (23) .
فإن قيل:
هل لهم مستند من كلام النبيّ صلى الله عليه وسلم ؟
الجواب:
قال الباحث عماد الشربيني (24) :