فهرس الكتاب

الصفحة 669 من 5466

ولن يدهشنا إذن عندما نرى أحد علمائهم - وهو الدارمي- يقول: فلم يظهر جهم [17] وأصحابه - وهم أول من قالوا بالجبر ونفوا الصفات الإلهية - في زمن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكبار التابعين فيُرْوَى عنهم فيها أثرٌ منصوصٌ مُسَمَّى، ولو كانوا بينوا وأظهروا آراءهم لقتلوا، كما قتل علي - رضي الله عنه -الزنادقة - وهم أتباع عبد الله ابن سبأ اليهودي الذين قالوا بتأليه علي- والتي ظهرت في عصره، ولقتلوا كما قتل أهل الردة [18] .

ويوضح لنا الدارمي بهذا الرأي كيف دارت عجلة التاريخ لتطبيق سننه في رقي الأمم وتدهورها، إذ عَبَّرَت الفلول المهزومة في الحضارات المغلوبة عن نفسها بنشر فلسفاتها ونظراتها للألوهية والكون والإنسان، أو بإثارة المشكلات العقائدية التي كانت تعاني منها إبان أزماتها.

ومما أذهل عقول مؤرخي التاريخ وفلاسفته أن المسلمين قاموا بغزو بلاد ذات حضارات عريقة، فكان من المنتظر قياسها على الغزوات المماثلة من قبل وغزوات الإسكندر الأكبر مثلًا - حيث لم تتجاوز أعماله مجال التعمير الحضري بمظهرها المادي فقط - كان من المنتظر بقاء الأفكار الفلسفية والدينية للسكان الأصليين كما هي، ولكن ما حدث نتيجة انتصار المسلمين لم يتوقع لأنه اكتسح ما لاقاه في طريقه كالسيل الجارف (فتغير كل شيء بين يوم وليلة، ولم يقتصر في هذه المرة على الواجهة السياسية والاقتصادية في المدن الكبرى فقط، وإنما تغلغل في الأعماق النفسية لهذه الشعوب جميعًا، فاللغات والأفكار والقانون والآمال والعادات وتصور العالم وعقيدة الألوهية، كل ذلك قد طرأ عليه تغير جذري سريع) [19] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت