لقد بحث المتكلمون ونقبوا في تاريخ الصحابة وأيامهم فلم يجدوا آثار تدل على خوض الصحابة فيها بنفس طريقتهم وتبويباتهم، فاستنتجوا أنهم لم يعرفوها. وهذا منهج خاطئ في البحث والتصور، يقول السفارينى:
(ولما كان عصر الصحابة والتابعين لهم بإحسان خاليًا من البدع الكلامية والشبه الخيالية والخصوم المعتزلية، لم تكن أدلة علم أصول الدين مدونة هذا التدوين) [15] .
كما تمادى المتكلمون بالطعن في الصحابة، فزعموا أنهم كانوا مشغولين بالجهاد عن تناول أمهات أصول الدين، وهذا خطأ جسيم وتفسير مقلوب؛ إذ لا يمكن تفسير الانتصارات المذهلة للصحابة إلا في ضوء استجابتهم لعقيدة الإسلام، وفهمها حق الفهم وتطيقها عمليًا فاجتذبوا غيرهم من الشعوب ذات الحضارات العريقة فكان الصحابة في وضع الطلائع والصفوة الممتازة.
وظهرت حروب الردة لتكشف معادن الرجال مبرهنة على أن قوة الإيمان في صف أبي بكر والصحابة وقد وقفت سدًا مانعًا لمواجهة أية ثغرة في العقيدة وكانت محكًا لأثر الإيمان في النفوس والفهم الصحيح لعقائد الإسلام، فقد كشفت الردة عن حقيقة التصور الإلهي في أذهان المسلمين وسلوكهم حين تحول إلى أعمال وحرب حتى لا يتمكن المرتدون من تشويه العقيدة، أو انتقال المنهج، أو إدخال شيء من الجاهلية في الإسلام [16] .
إن هذا الفهم الممتزج بالإيمان هو الدافع الحقيقي لجهاد الصحابة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والتسابق للاستشهاد، ومع الصديق - رضي الله عنه - بعده، وفي عصر الخلافة الراشدة عمومًا.
ألا يحق لعلماء أهل السنة والجماعة سلوك طريقهم واعتبارهم الجيل المثالي في العقيدة والسلوك؟