فهرس الكتاب

الصفحة 667 من 5466

ونكتفي بواقعة واحدة للمقارنة. تلك هي موقعة تبوك حيث بلغت بهم الشدة مبلغها. يقول ابن كثير: (ومن هنا تتبين فضيلة أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- - رضي الله عنهم - على سائر أصحاب الأنبياء في صبرهم وعدم تعنتهم كما كانوا معه في أسفاره وغزواته منها عام تبوك في ذلك القيظ والحر الشديد والجهد لم يسألوا خرق عادة ولا إيجاد أمر مع أن ذلك كان سهلًا على الرسول -صلى الله عليه وسلم- لما أجهدهم الجوع قالوه في تكثير طعامهم فجمعوا ما معهم فجاء قدر مبرك الشاة فدعا فيه وأمرهم فملأوا كل وعاء معهم. وكذا لما احتاجوا إلى الماء سال الله تعالى فجاءت سحابة فأمطرتهم، فشربوا وسقوا الإبل وملأوا أسقيتهم ثم نظروا فإذا هى لم تجاوز العسكر. فهذا هو الأكمل في الاتباع المتمشي مع قدر الله، مع متابعة الرسول -صلى الله عليه وسلم-) [13] .

وهل نتصور أن أهل العصور التالية كانوا أكثر فهمًا للدين وأصوله من الصحابة؟ أو أنهم أفقه وأورع منهم؟ إن ذلك يعد قلبًا للأوضاع وتبديلًا لموازين القياس الصحيح، إذ سجل لنا التاريخ فضائل أعمال الجيل الأول بمثاليتهم الفهم والتطبيق فلم يشغلهم الجهاد عن التدبر والفهم العميق للإسلام بعقيدته وعبادته وأحكامه، وكثرة الروايات عن الجهاد والأعمال الصالحة تنطوي في عمق الإدراك والوعي بالرسالة والتحرك بها فانصرفوا عن الجدال واهتموا بالأعمال، ولكن الأوضاع انقلبت بعدهم، فظهر الجدل في الدين على حساب العمل، أو كان بداية لتفرقة وحدة المسلمين وتفتيت جماعتهم وظهور علامات الوهن بين صفوفهم. لذلك اعتبر علماء السنة ظهور الجدل الكلامي لونًا من الردة، وعللوه، بقلة الفقه في الدين وذهاب العلماء، يقول الدارمي: (وكانوا مقموعين أيام الصحابة والتابعين، مقهورين بسلطان الدولة وحجج العلماء، ولكنهم عندما بعد الزمن، وجدوا الفرصة لنشر مذاهبهم، عندما وجدوا من الرعاع جهلًا، ومن العلماء قلة) [14] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت