وترى الصحابة - طبقًا لهذا الاستدلال - قد سلكوا الطريق الفطري المطابق لطريق البرهان العقلي في إثبات وجود الله سبحانه وتعالى، وأنه خالق كل شيء، وهو سبحانه المحدث الفاعل لمشيئته وقدرته، ولم يفعلوا كما فعل بعض فلاسفة اليونان عندما فسروا صدور الكون بأنه معلول يقارن عنه فإن ذلك يمتنع محادثته أي إحداث الحوادث فيه [11] .
من هذا يتبين أيضًا أن أدلة الشرع أدلة عقلية، فقد فطر الله تعالى عباده على معرفة الحق وقد بعد الرسل، كما يصفهم ابن تيمية - بتكميل الفطرة. قال تعالى: ? سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ? [فصلت: 53] وتفسيرها أنه سيريهم الآيات الأفقية والنفسية المبينة، لأن القرآن الذي أخبر به عباده حق. فتتطابق الدلالة البرهانية العيانية ويتصادق موجب الشرع المنقول والنظر المعقول [12] .
والتفسير العقلي أيضًا يبرهن على تجاوبهم الكامل مع العقيدة التي تغلغلت إلى أعماق نفوسهم، فإن الدارس لأحوالهم وسلوكهم خلال سنوات الأزمات والجهاد الشاق على النفس وعلى الهوى وفي مواجهة الأهل والأصحاب والعادات المألوفة والعقائد الوثنية الباطلة التي نشأ البعض عليها بالمقارنة بتصرفاتهم وعقائدهم قبل وبعد الإسلام، وفي ضوء دراسة أعمالهم وسلوكهم مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخشيتهم لربهم وفهمهم لدقائق العقيدة بعد أن تلقوها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، بعد كل هذا يمكن وصفهم بأنهم الأعلم والأحكم من كل من جاء بعدهم.