و من المعروف و المتفق عليه بين الإخباريين و المؤرخين أن الخلاف بين علي و معاوية ، كان سببه طلب تعجيل القصاص من قتلة عثمان . و من الملاحظ أن الصحابة رضوان الله عليهم متفقون على إقامة حدّ القصاص على قتلة عثمان ، لكن الخلاف بينهم وقع في مسألة التقديم أو التأخير ، فمعاوية رضي الله عنه و من معه كانوا يرون تعجيل أخذ القصاص من الذين حصروا الخليفة حتى قتل ، و أن البداءة بقتلهم أولى ، بينما رأى أمير المؤمنين علي و من معه تأخيره حتى يوطد مركز الخلافة و يتقدم أولياء عثمان بالدعوى عنده على معيّنين ، فيحكم لهم بعد إقامة البيّنة عليهم ، لأن هؤلاء المحاصرين لأمير المؤمنين عثمان ليسوا نفرًا من قبيلة معيّنة بل من قبائل مختلفة . على أن استعجال تنفيذ القصاص بدون إقامة الدعوى من أولياء المقتول عند الإمام ، و حكمه على القاتل ، يؤدي لا محالة إلى انتشار الفتنة بحرب طاحنة يذهب فيها كثير من الأبرياء .
و لذلك كان رأي علي رضي الله عنه أسدّ و أصوب من رأي معاوية رضي الله عنه كما نطقت بذلك النصوص الشرعية .
و قد اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لأحد أن يقتصّ من أحد و يأخذ حقه دون السلطان ، أو من نصبه السلطان لهذا الأمر ، لأن ذلك يفضي إلى الفتنة و إشاعة الفوضى . و لهذا جعل الله السلطان ليقبض أيدي الناس بعضهم عن بعض . الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (1/256) في تفسير سورة البقرة الآية (179) .
و الظاهر أن معاوية رضي الله عنه اعتقد و فهم أن قتل عثمان رضي الله عنه منكر من أعظم المنكرات ،