يصف سالم بن عبيد الأشجعي و هو صحابي شهد المعركة موقف علي رضي الله عنه فيقول: رأيت عليًا بعد صفين و هو أخذ بيدي ، و نحن نمشي في القتلى فجعل علي يستغفر لهم حتى بلغ أهل الشام فقلت له: يا أمير المؤمنين إنّا في أصحاب معاوية !؟ فقال علي: إنما الحساب عليّ و على معاوية . مصنف ابن أبي شيبة (15/303) . أي أنه يرى نفسه و معاوية مسؤلين عما حدث و هما يحاسبان على ذلك .
و ما حصل من قتال بين علي و معاوية لم يكن يريده واحد منهما ، بل كان في الجيش من أهل الأهواء من يحرص على القتال ، الأمر الذي أدى إلى نشوب تلك المعركة الطاحنة ، و خروج الأمر من يد علي و معاوية رضي الله عنهما . أشراط الساعة ليوسف الوابل (ص 103) .
و أكثر الذين كانوا يختارون القتال من الطائفتين لم يكونوا يطيعون لا عليًا و لا معاوية ، و كان علي و معاوية رضي الله عنهما أطلب لكف الدماء من أكثر المتقاتلين ، لكن غلبا فيما وقع ، و الفتنة إذا ثارت ؛ عجز الحكماء عن إطفاء نارها .
فكان في العسكرين قوم ينتصرون لعثمان غاية الانتصار و قوم ينفرون عنه ، و قوم ينتصرون لعلي و قوم ينفرون عنه ، ثم قتال أصحاب معاوية لم يكن لخصوص معاوية ، بل كان لأسباب أخرى . و قتال الفتنة مثل قتال الجاهلية ، لا تنضبط مقاصد أهله و اعتقاداتهم ؛ و كما قال الزهري: هاجت الفتنة الأولى و أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون و فيهم البدريون ، فأجمعوا أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القرآن ؛ فإنه هدر أنزلوه منزلة الجاهلية . منهاج السنة لابن تيمية (4/452-458) . و البيهقي في السنن الكبرى (8/174-175) .