أنه لا يخفى على مثل عمر - إن شاء الله - مثل هذه الآية ، وأنه كلامه ليس في النهي الشرعي ، بل هو للإرشاد كما هو واضح عند أدنى تأمل ، ومما يمكن الاستئناس به للأمرين - وهما علمه بالآية وأنه لم ينه النهي الشرعي - ما رواه البيهقي عنه قال - رضي الله عنه -:"لقد خرجتُ وأنا أريد أن أنهى عن كثرة مهور النساء حتى قرأت هذه الآية { وآتيتم إحداهن قنطارًا } . قال البيهقي: هذا مرسلٌ جيِّدٌ . وقضية غياب آية { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ } [ آل عمران / 144 ] التي غابت عنه يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يمكن الاستدلال بها لتثبيت غياب هذه الآية كذلك ؛ لأن سبب غياب تلك الآية معقول وهو مصيبة وفاة النبي صلى الله عليه وسلم التي تنسي المحب ما يعلم ، وليس الأمر كذلك هنا ، فلا سبب يمكن أن يقال في ذهول عمر عن هذه الآية ، أو يقال كان جاهلا بها ، ويرده ما سبق ذكره من أثر البيهقي ، وما هو معلوم عن عمر من دقة فهمه - لا حفظه فقط - لكتاب الله تعالى ، ويدل على ذلك حديث الصحيحين في اختبار الصحابة في معنى قوله تعالى { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ... } الآيات ، فلما لم يعلم الصحابة معناها وأمر ابنَ عباس أن يقول لهم ما يعلم وقال: إنها أجلُ النبي صلى الله عليه وسلم ، قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم ، والحديث في الصحيحين:"