وهكذا استمدوا من كتاب الله تعالى معرفة وحدانية الله تعالى، وإثبات صفاته، وعرفوا الأنبياء والرسل - عليهم السلام - وقصصهم مع أقوامهم، ووقفوا منه على أصل خلق آدم - عليه السلام - وعداوة إبليس له ولبنيه، وعرفوا مكانة الملائكة وأدوارهم من بين مخلوقات الله تعالى، واستمدوا معلوماتهم عن اليوم الآخر وحساب الله تعالى وجنته وناره والقدر وخيره وشره إلى غير ذلك من القضايا التي تشكل أركانًا رئيسية وأصولًا في الإيمان. وكلها جمعها القرآن الكريم - كما يرى الزركشي في أقسام ثلاثة: توحيد وتذكير وأحكام فالتوحيد تدخل فيه معرفة المخلوقات ومعرفة الخالق بأسمائه وصفاته وأفعاله، والتذكير ومنه الوعد والوعيد والجنة والنار وتصفية الظاهر والباطن، والأحكام ومنها التكاليف كلها وتبين المنافع والمضار والأمر والنهي والندب. فالأول ? وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ? [البقرة: 163] فيه التوحيد كله في الذات والصفات والأفعال والثاني: ? وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ? [الذاريات: 55] ، والثالث: ? وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ? [المائدة: 49] [5] .
وقد خط لهم القرآن الكريم الاستدلال بمخلوقات الله تعالى على وحدانيته سبحانه وعلمه وحكمته. فإنها جميعًا تبرهن على أن لها صانعًا حكيمًا خبيرًا تام القدرة بالغ الحكمة، كما دعاهم إلى آثار الصنعة في أنفسهم أيضًا: ? وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ? [الذاريات: 21] إشارة إلى ما فيها من آثار الصنعة ولطيف الحكمة الدالين على وجود الصانع الحكيم [6] .
ونهاهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن التفكر في الخالق - جل شأنه - فجاء في الأثر (تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق) ، وتعليل النهي أنه سبحانه ليس كمثله شيء (فالتفكر الذي مبناه على القياس ممتنع في حقه. وإنما هو معلوم بالفطرة. فيذكره العبد) [7] .