كذلك جاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - بسنته كمصدر ثان للإسلام ولذلك أصبح المنهج الصحيح يقتضي معرفة سنته وتنفيذها، فمن كان أعلم بسنته وأتبع لها كان الصواب معه، وهذه الأوصاف تنطبق على الصحابة - صلى الله عليه وسلم - ثم الأجيال التالية من أهل الحديث والسنة (وهؤلاء هم الذين لا ينتصرون إلا لقوله ولا يضافون إلا إليه، وهو أعلم الناس بسنته وأتبع لها، لكن التفرق والاختلاف كثير في المتأخرين) [8] .
وبهذه الطريقة وضعوا الأسس السليمة للمنهج الصحيح في معرفة أصول الدين وفروعه، فمن أراد إذن معرفة شيء من الدين والكلام فيه، نظر فيما قاله الله والرسول - صلى الله عليه وسلم -. فمنه يتعلم وبه يتكلم وفيه ينظر ويتفكر وبه يستدل. فهذا أصل منهج أهل السنة.
أما المخالفون لهذا المنهج، فلم يراعوا قاعدته ولم يلتزموا بخطواته إذ أنهم بدلًا من البدء بالنظر فيما قاله الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، بدأوا بما رأوه بعقولهم كما فعل المتكلمون، أوذاقوه بوجدانهم - كما فعل الصوفية - فإذا وجدوا السنة توافقه وإلا لم يبالوا بذلك، فإذا وجدوها تخالفه، أعرضوا عنها تفويضًا أو حرفوها تاويلًا [9] . وهذه الصورة المخالفة للمنهج الإسلامي الصحيح كثيرا ما نراها في عصرنا أيضًا. فبسبب ضغوط ثقافة الغرب وحضارته، وعلى إثر انتصاره العسكري والسياسي وتفوقه العلمي ونفوذه الثقافي، وتأثيره الساحر على العقول والنفوس في مقابل ضآلة المعرفة بالإسلام وأصوله وفروعه، نجم عنه أن أصبح الكثيرون يتبنون الأفكار والفلسفات الغربية ويعطونها شكلًا إسلاميًا، ظانين بذلك أنهم يدافعون عنه ويقدمونه إلى الأجيال الشابة في ثوب عصري [10] .
[1] ابن تيمية:"الفتاوى الكبرى"ج 5 ص 157 و 151 ط الرياض.
[2] ابن تيمية: الفتاوى الكبرى ج 5 ص 155، 156.
[3] نقض المنطق ص 87.
[4] شرح"أسباب النزول للواحدي"ص 65.
[5] الزركشي: البرهان في علوم القرآن ج 1 ص 17 ط الحلبي 1957 م.