وجاء التابعون فتعلموا التفسير من الصحابة، قال مجاهد: عرضت المصحف على أبي عباس من أوله إلى آخره، أقف عند كل آية وأسأل عنها (ولهذا قال سفيان الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به [1] فالأصل أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد بلغ الرسالة كما أمر ولم يكتم منها شيئًا تنفيذًا لقوله تعالى:? وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ? [النحل: 44] وقال تعالى: ? يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ? [المائدة: 67] وقد أخبر الله بأنه قد أكمل الدين، وقال الرسول صلوات الله عليه:(( ما تركت من لشيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، وما من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به ) ).
وبناء على هذا الأصل، فإنه كما تبين لنا أوضح كافة الأصول الإسلامية مما أخبر به الله تعالى من أسماء الله وصفاته، مما جاء في القرآن وشرح وبيَّن لأصحابه هذه الأصول كلها كأحسن ما يكون البيان. قال أبو ذر: (لقد توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا إذا ذكر لنا منه علمًا) .
وكان الصحابة حريصين على الفهم والاستيعاب الدقيق الكامل لكل ما يتعلمونه من القرآن والحديث، فإن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما كانوا إذا تعلموا من النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل (قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا) وقام عبد الله بن عمر يحفظ سورة البقرة في ثمان سنين لاستغراقه في المعرفة والفهم [2] .