وبعد أن أكمل سعد كلمته وسكت، أراد عمر - رضي الله عنه - أن يتكلم، كما يروى ذلك عنه ابن هشام في سيرته، فقال عمر - رضي الله عنه: (( ... فلما سكت(أي سعد) أردتُ أن أتكلم وقد زَوَّرْتُ في نفسي مقالة قد أعجبتني، أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر - رضي الله عنه - وكنت أداري منه بعض الحد (1) ، فقال أبوبكر: على رسلك يا عمر، فكرهت أن أغضبه، فتكلَّمَ، وكان أعلم مني وأوقر، فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري إلا قالها في بديهته، أومثلها أوأفضل، حتى سكتَ. قال: أما ما ذكرتم فيكم من خير، فأنتم له أهل، ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحيّ من قريش، هوأوسط العرب نسبا (2) ودارا (3) قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم، وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة الجراح، قال (عمر) : وهوجالس بيننا، ولم أكره شيئا مما قاله (أي أبوبكر) غيرها، كان والله أن أُقَدَّمَ فتُضْرَبَ عنقي، لا يُقَرِّبني ذلك إلى إثم، أحب إليَّ من أن أتأمَّرَ على قوم فيهم أبوبكر )) (4) .
... وقد أورد اليعقوبي في تاريخه نص ما قاله أبوبكر في ثنائه وتزكيته لعمر ولأبي عبيدة - رضي الله عنهم - فقال: [ ... وهذا عمر بن الخطاب الذي قال رسول الله: اللهم أعز الدين به! وهذا أبوعبيدة الجراح الذي قال رسول الله: أمين هذه الأمة، فبايعوا أيهما شئتم. فأبيا (أي عمر وأبوعبيدة) عليه وقالا: والله ما كنا لنتقدمك، وأنت صاحب رسول الله وثاني اثنين. فضرب أبوعبيدة على يدي أبي بكر، وثنَّى عمر، ثم بايع من كان معهم من قريش] (5) .
(1) الحد: أي كان في خلق عمر - رضي الله عنه - حدَّة، كان يسترها عن أبي بكر - رضي الله عنه -. (مت)
(2) أوسط العرب نسبا: أشرفهم. (مت)
(3) ودارا: بلدا، وهي مكة لأنها أشرف البقاع. (مت)
(4) سيرة ابن هشام، ج 4 / ص 659. (مت)
(5) تاريخ اليعقوبي: ج 2/ ص 82 (من طبعة عام 1375 هـ.)