وكانت رضي الله تعالى عنها بعد ذلك إذا ذكرت ما وقع تبكي حتى تبل خمارها، ففي هذه المعاملة من الأمير رضي الله عنه دليل على خلاف ما تزعمه الشيعة من كفرها - وحاشاها رضي الله عنها - وفي ندمها وبكائها على ما كان دليل على أنها لم تذهب إلى ربها إلا وهي نقية من غبار المعركة، على أن في كلامها ما يدل على أنها كانت حسنة النية في ذلك، وقال غير واحد إنها أجتهدت ولكنها أخطات في الإجتهاد ولا إثم على المجتهد المخطئ بل أجر على أجتهاده (3) وكونها رضي الله تعالى عنها من أهل الاجتهاد مما لا ريب فيه.
نعم قالت الشيعة إنه يبطل إجتهادها أنه صلى الله عليه وسلم قال يومًا لأزواجه «كأني بإحداكن تنبحها كلاب الحوأب» فإياك أن تكون يا حميراء والحوأب منزل بين البصرة ومكة قيل نزلته عائشة ونبحتها كلابه فتذكرت الحديث وهو صريح في النهي ولم ترجع.
والجواب عن ذلك أن الثابت عندنا أنها لما سمعت ذلك وتحقيقه من محمد بن طلحه همت بالرجوع إلا أنها لم توافق عليه ومع هذا شهد لها مروان بن الحكم مع ثمانين رجلًا من دهاقين تلك الناحية أن هذا المكان مكان آخر وليس الحوأب، على أن إياك أن تكوني يا حميراء ليس موجودًا في الكتب المعول عليها عند أهل السنة فليس في الخبر نهي صريح ينافي الاجتهاد، على أنه لو كان فلا يرد محذورًا أيضًا لأنها أجتهدت فسارت حين لم تعلم أن في طريقها هذا المكان، لو أنها علمت لم يمكنها الرجوع لعدم الموافقة عليه، وليس في الحديث بعد هذا النهي أمر بشئ لتفعله، فلا جرم مرت على ما قصدته من إصلاح ذات البين المأمورة به بلا شبهة.