الوجه الثاني: أن الذين جمعوا أخبار الحسين ومقتله -مثل أبي بكر بن أبي الدنيا, وأبي القاسم البغوي وغيرهما- لم يذكر أحد منهم أن الرأس حمل إلى عسقلان ولا إلى القاهرة.
وقد ذكر نحو ذلك أبو الخطاب بن دحية في كتابه الملقب بـ (( العلم المشهور في فضائل الأيام والشهور ) ), ذكر أن الذين صنفوا في مقتل الحسين أجمعوا أن الرأس لم يغترب, وذكر هذا بعد أن ذكر أن المشهد الذي بالقاهرة كذب مختلق, وأنه لا أصل له, وبسط القول في ذلك, كما ذكر في يوم عاشوراء ما يتعلق بذلك.
الوجه الثالث: أن الذي ذكره من يعتمد عليه من العلماء والمؤرخين: أن الرأس حمل إلى المدينة, ودفن عند أخيه الحسن.
ومن المعلوم: أن الزبير بن بكار, صاحب كتاب (( الأنساب ) )ومحمد بن سعد كاتب الواقدي وصاحب الطبقات, ونحوهما من المعروفين بالعلم والثقة والاطلاع, أعلم بهذا الباب, وأصدق فيما ينقلونه من الجاهلين والكذابين, ومن بعض أهل التواريخ الذين لا يوثق بعلمهم ولا صدقهم, بل قد يكون الرجل صادقًا, ولكن لا خبرة له بالأسانيد حتى يميز بين المقبول والمردود, أو يكون سيء الحفظ أو متهمًا بالكذب أو بالتزيد في الرواية, كحال كثير من الإخباريين والمؤرخين, لا سيما إذا كان مثل أبي مخنف لوط بن يحيى وأمثاله.
ومعلوم أن الواقدي نفسه خير عند الناس من مثل هشام بن الكلبي, وأبيه محمد بن السائب وأمثالهما, وقد علم كلام الناس في الواقدي, فإن ما يذكره هو وأمثاله إنما يُعتضد به, ويُستأنس به, وأما الاعتماد عليه بمجرده في العلم فهذا لا يصلح.