وهكذا كل ما ينقلونه من هذا الباب. ينقلون سيرًا أو حكاياتٍ وأحاديثَ, إذا ما طالبتهم بإسنادها لم يحيلوك على رجل معروف بالصدق, بل حسب أحدهم أن يكون سمع ذلك من آخر مثله, أو قرأه في كتاب ليس فيه إسناد معروف, وإن سموا أحدًا, كان من المشهورين بالكذب والبهتان. لا يتصور قط أن ينقلوا شيئًا مما لا يعرف عند علماء السنة إلا وهو عن مجهول لا يعرف, أو عن معروف بالكذب.
ومن هذا الباب نقل الناقل: أن هذا القبر الذي بالقاهرة -مشهد الحسين رضي الله عنه- بل وكذلك مشاهد غير هذا مضافة إلى قبر الحسين -رضي الله عنه- فإنه معلوم باتفاق الناس: أن هذا المشهد بُني عام بضع وأربعين وخمسمائة, وأنه نقل من مشهد بعسقلان, وأن ذلك المشهد بعسقلان كان قد أحدث بعد التسعين والأربعمائة.
فأصل هذا المشهد القاهري: هو ذلك المشهد العسقلاني. وذلك العسقلاني محدث بعد مقتل الحسين بأكثر من أربعمائة وثلاثين سنة, وهذا القاهري محدث بعد مقتله بقريب من خمسمائة سنة. وهذا مما لم يتنازع فيه اثنان ممن تكلم في هذا الباب من أهل العلم, على اختلاف أصنافهم, كأهل الحديث, ومصنفي أخبار القاهرة, ومصنفي التواريخ. وما نقله أهل العلم طبقة عن طبقة. فمثل هذا مستفيض عندهم. وهذا بينهم مشهور متواتر, سواء قيل: إن إضافته إلى الحسين صدق أو كذب, لم يتنازعوا أنه نقل من عسقلان في أواخر الدولة العبيدية.
وإذا كان أصل هذا المشهد القاهري منقول عن ذلك المشهد العسقلاني باتفاق الناس وبالنقل المتواتر؛ فمن المعلوم أن قول القائل: إن ذلك الذي بعسقلان هو مبني على رأس الحسين -رضي الله عنه- قول بلا حجة أصلًا. فإن هذا لم ينقله أحد من أهل العلم الذين من شأنهم نقل هذا. لا من أهل الحديث, ولا من علماء الأخبار والتواريخ, ولا من العلماء المصنفين في النسب؛ نسب قريش, أو نسب بني هاشم ونحوه.