وفي السياق نفسه يقول د. حلمي صابر - بعد مناقشات مطولة:"ومن هنا وبناء على ما تقدم تسقط دعوى الخصوم في اتهام علي بأنه رجل حرب وليس رجل سياسة؛ فقد كانت للإمام عبقريته السياسية كما كانت له عبقريته العسكرية، وهو لم يكن بأقل من معاوية وعمرو بن العاص حكمة ودهاء، ولكن الظروف واكبت معاوية ومن معه ولم تواكب الإمام. فقد كان الناس غير الناس والزمن غير الزمن، ولم يكن الوقت وقت خلافة، وإنما وقت يستشرف الناس فيه إلى الملك.. وقد كانت بلية الإمام الحقيقية في أنه لم يجد على الخلافة أعوانا... أيعقل أن يكون الإمام الذي كان محل مشورة الخلفاء السابقين في كل أمر، بل كان هو المدخر عند كل معضلة كما قال عمر: معضلة ولا أبا حسن لها، أيعقل أن يكون الإمام غير كفء للخلافة؟ أو أنه ليست عنده الحنكة السياسية للأمة، وإذا كانت الظروف لم تساعده في تحقيق ما كان يرجوه، فليس ذلك لعيب فيه، وإنما هو عيب الناس وعيب الفترة التي قدر له أن ينوء بحملها رضي الله عنه" ( [22] ) .
الخلاصة:
· كان مقتل عثمان - رضي الله عنه - مثار اضطرابات سياسية واجتماعية كبيرة ظلت قائمة طوال خلافة علي - رضي الله عنه - وملاحظة هذه الملابسات الخاصة التي ولي علي - رضي الله عنه - فيها خلافة المسلمين تفسر كثيرا من نواحي سياسته، وتقيم له أعذارا فيما قد يحسبه بعض الدارسين خلاف الصواب.
· هذه الملابسات الخاصة التي أشرنا إليها أظهرت الجانب العسكري والنزاع الداخلي المسلح على الجانب السياسي والإداري، فإن شغل علي - رضي الله عنه - بحرب مناوئيه لم يتح له أن يحدث إصلاحات داخلية كبيرة في مجال النظم والإدارة، وإن كان ذلك لا يعني غيابها أو أنه لم يقم بشيء منها.