ويلمس المرء كذلك تغييرا في الأفكار وتعددا في المذاهب من جراء الفتنة، فبعد أن كان الناس على مذهب واحد قبل الفتنة، هاهم ينقسمون بعدها شيعا وأحزابا، ينحاز الواحد منهم إلى فئة أو رأي والآخر إلى خلافه، ولا شك أن هذا الانقسام في الآراء والاختلاف في وجهات النظر أدى إلى مزيد من الفرقة والخلاف، مما أضعف - بطبيعة الحال - مركز الخليفة وقبضته على زمام الأمور.
وإذا كانت رياح التغيير تعتبر مؤشرا على تبدل الأحوال في عهد علي - رضي الله عنه - في الجماعات المحيطة بالخليفة، ومركز الخلافة، والآراء، والمذاهب، والوسائل المادية، فإن موقف علي - رضي الله عنه - ظل رغم هذا كله ثابتا لم يتلون بلون ذلك الجيل، ولم يرغب أن يواكب التطور الحادث، إذ آثر الإخفاق في كل شيء على الإخفاق في راشديته وعدله.
وإن كانت السياسة هي: الاستجابة لروح العصر ومساره، وانتهاز الفرص، وتحقيق المصالح الذاتية والمنافع الشخصية للحاكم والجماعات المحيطة به، فإن عليا لم يكن سياسيا بهذا المعنى، وإن كانت السياسة الرفيعة؛ كالعدل والمساواة والمعروف، فعلي - رضي الله عنه - كان على درجة عظيمة من ذلك.
والقول الفصل أن عليا كان من خير رجال السياسة والحكم لو بقي عصر الخلافة الراشدة كما كان عليه في أيامه الأول، أما وروح الزمان كانت تسير على غير ما كانت تسير عليه، فمذهبه في السياسة لم يعد مناسبا لتلك الأوضاع، ولذلك عد في نظر البعض غير سياسي ( [21] ) .