فهرس الكتاب

الصفحة 1013 من 5466

مغزى هذا الكلام أن الناس لم يدينوا للشيخين؛ لعلو سياستهما عن سياسة عثمان وعلى، فللجميع ما لهما من حسن السياسة، بل لأن رعيتهما كانت من الصحابة الذين تربوا في أحضان النبوة، فهذبتهم وخلصت شمائلهم من شنشنة الجاهلية، وقد انقرض غالب هذه الطبقة المباركة في آخر خلافة الفاروق - رضي الله عنه - وتغلب على من بقي منهم كثرة الموالي والأعراب المرتدين الذين أرجعهم الصديق - رضي الله عنه - إلى الدين قسرا بسيوف أولئك البررة.

وتناول هذا الاختلاف أيضا مركز الخلافة، إذ انتقل من الحجاز إلى العراق؛ من الحجاز - حيث السنة النبوية المطهرة - إلى العراق - حيث تتحكم المصلحة والنزعات الشخصية والأهواء المتباينة - وربما أدرك أحد الصحابة هذا الأمر؛ فهذا عبد الله بن سلام - رضي الله عنه - يأخذ بعنان فرس علي - رضي الله عنه - عندما تجهز للخروج من المدينة يريد العراق فقال له:"يا أمير المؤمنين، لا تخرج منها - أي من المدينة - فوالله لئن خرجت منها لا ترجع إليها ولا يعود إليها سلطان المسلمين أبدا".

وطرأ أيضا تغيير في الأحوال المادية؛ فعصر الراشدين الأول عصر تقشف وزهد، أما عهد على فقد أصبح عهد ثروة عمت الناس ودخلت في حياتهم، فبدلت وغيرت، بينما كان علي - رضي الله عنه - مشبعا بجبلته الأولى الراشدية، زاهدا في الدنيا، يأخذ الأموال بحقها ويصرفها في مصارفها الشرعية، فقد سأله أخوه عقيل ذات مرة شاكيا حاجته إليه، فقال له علي:"اصبر حتى يخرج عطائي، فألح عليه، فقال: انطلق فخذ ما في حوانيت الناس، قال: تريد أن تتخذني سارقا! قال: وأنت تريد أن تتخذني سارقا وأعطيك أموال الناس! فقال: لآتين معاوية، قال: أنت وذاك، فسار إلى معاوية فأعطاه مائة ألف".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت