ثم يخبر علي - رضي الله عنه - بمقالتهم، فيرغب أن يريهم أنه لا يستطيع وإياهم أن يفعلوا شيئا في مثل تلك الظروف فينادي:"برئت الذمة من عبد لم يرجع إلى مواليه، فتذامرت السبئية والأعراب وقالوا: لنا غدا مثلها ولا نستطيع أن نحتج فيهم بشيء".
وكأن رواد الفتنة من السبئية تبادر إلى أذهانهم أن الخليفة يريد أن يجردهم من أعوانهم الذين يشدون أزرهم ويقفون إلى جوارهم، فعصوا ذلك الأمر وحرضوا الأعراب على البقاء، فأطاعوهم وبقوا في أماكنهم، ففي اليوم الثالث بعد البيعة خرج علي إلى الناس وقال لهم: أخرجوا عنكم الأعراب، وقال: يا معشر الأعراب، الحقوا بمياهكم، فأبت السبئية وأطاعهم الأعراب، ثم دخل بيته ودخل عليه طلحة والزبير في عدة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: دونكم ثأركم، فقالوا: عشوا عن ذلك، فقال لهم علي: هم والله بعد اليوم أعشى وآبى، ثم أنشد:
ولو أن قومي طاوعتني سراتهم
أمرتهم أمرا يديخ الأعاديا
وعلى الرغم من بوادر الاقتناع التي بدت من طلحة والزبير - رضي الله عنهما - على أثر تحليل علي للموقف وبيانه لما اختاره من سياسة على ضوء ظروف الواقع، فإنهما كانا يريان خلاف ذلك باعتقادهما أن أنجح وسيلة لضرب أولئك الخوارج هو الذهاب إلى البصرة والكوفة ومفاجأتهم بخيل من هناك، قال الزبير:"دعني آت الكوفة فلا يفجأوا إلا وأنا في خيل". وقال طلحة:"دعني، فلآت البصرة فلا يفجأوك إلا وأنا في خيل". ولكن عليا - رضي الله عنه - نراه يتريث ويقول لهما:"حتى أنظر في ذلك". ولعل عليا كان يخشى الفتنة، وتحول الأمر إلى حرب أهلية داخل المدينة لا تحمد عقباها، ولذلك لم يجب طلحة والزبير إلى مطلبهما ( [19] ) .