فهرس الكتاب

الصفحة 1009 من 5466

ولكن عليا - رضي الله عنه - قد احتاط لكل ما يمكن أن يكون وراء المطالبة بدم عثمان، وحاول أن يشرح للمطالبين وعلى رأسهم طلحة والزبير - رضي الله عنهما - وجهة نظره في تأجيل ذلك الأمر، فقال لهم في حوار هادئ:"يا إخوتاه، إني لست أجهل ما تعلمون، ولكن كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم؟ هاهم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم وثابت إليهم أعرابكم، وهم خلالكم يسومونكم ما يشاءون، فهل ترون موضعا لقدرة على شيء مما تريدون"؟

وعندئذ ثابت إليهم عقولهم وعادت إليهم أحلامهم فقالوا جميعا: لا.

وحين رأى علي - رضي الله عنه - تفهمهم للأمر، وتأكد من وقوفهم على حقيقة ذلك أفصح مبدئيا عن موافقته لرأيهم، وأنه لا يختلف معهم في شناعة ما اقترفت تلك الأيدي الآثمة، فتابع كلامه قائلا:"فلا والله لاأرى إلا رأيا ترونه - إن شاء الله - إن هذا الأمر أمر جاهلية، وإن لهؤلاء القوم مادة، وذلك أن الشيطان لم يشرع شريعة قط فيبرح الأرض من أخذ بها أبدا".

وزاد في التوضيح فأخبرهم أن الناس مختلفون وليسوا على رأي واحد فيما يقال، فمنهم من يخالف رأيهم، ومنهم من يوافقهم على ما يريدون ومنهم المحايدون، قال:"إن الناس من هذا الأمر إذا حرك على أمور؛ فرقة ترى ما ترون، وفرقة ترى ما لا ترون، وفرقة لا ترى هذا ولا ذاك". ثم كشف عن موقفه النهائي بقوله:"حتى يهدأ الناس، وتقع القلوب مواقعها، وتؤخذ الحقوق، فاهدءوا عني، وانظروا ماذا يأتيكم ثم عودوا".

لكن هذه السياسة الحكيمة لم يتفهمها بعضهم ولم تكن مقنعة لهم، فالناس في حال غضبهم وسيرهم وراء عواطفهم لا يدركون الأمور إدراكا واقعيا يمكنهم من التقدير الصحيح، فتنعكس في تقديرهم الأوضاع ويظنون المستحيل ممكنا، ولذلك قالوا:"نقضي الذي علينا ولانؤخره، والله إن عليا مستغن برأيه عنا".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت