ويبدو من أول وهلة أن الموقف الذي بنى عليه علي - رضي الله عنه - سياسته تجاه قتلة عثمان هو الأناة والتريث والكياسة؛ إذ كان يفهم أبعاد الموقف تماما، ويعرف ما يجب أن يفعل وما يجب أن يترك في مثل هذه الظروف.
وقد دلت إجابته للمطالبين بتقديم قتلة عثمان لإقامة الحد عليهم على فطنة وسياسة لا تقل روعة عن عبقريته القضائية والفقهية. والخبرة في السياسة من لوازم الحاكم الناجح؛ إذ بها يستطيع تقدير الأمور ووضع كل شيء في موضعه الصحيح، خصوصا في مثل الأحوال التي تولى فيها علي - رضي الله عنه - إمرة المسلمين، حيث الفتنة مشتعلة، والأمور مضطربة، والآراء متباينة، والناس يمتلكهم الخوف، وأبعاد هذه الفتنة لازالت مجهولة؛ لأن الخوارج المتربصين لم يغادروا المدينة بعد قتل عثمان ولا بعد تولية علي، فماذا يريد هؤلاء بعد ذلك؟
من أجل هذا كله كان على أمير المؤمنين أن يتحفظ في معاملة هؤلاء المتمردين، وأن يستعمل معهم أقصى ما يمكن استعماله من الرفق واللين حتى يحين الوقت المناسب لتنفيذ حكم الله فيهم. لكن الذين لم يوفقوا لفهم أبعاد هذه السياسة، والذين حكموا عواطفهم في قتلة عثمان أصروا على الانتقام منهم بسرعة.
إن الإصرار على المطالبة بدم عثمان منذ اليوم الأول لتولية علي - رضي الله عنه - لا يمت إلى السياسة الحكيمة بصلة، وإن الإلحاح على الخليفة الجديد لتقديم قتلة الخليفة السابق للقصاص على الفور ليس من الحكمة في شيء؛ لما فيه من إحراج للخليفة الجديد حيث تبقى الفتنة مشتعلة أكثر، ويظل الهرج والقتل قائما على أشده وما يتبع ذلك من عواقب وخيمة لا يعلم مداها إلا الله عز وجل.