فهرس الكتاب

الصفحة 1006 من 5466

الجمع بين نصيحة علي أولا وغشه ثانيا لا يصدر من أي صحابي كان، فكيف بالمغيرة وهو من أفاضلهم؛ إذ ليس الغش من أخلاق المسلمين، وقد صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من غشنا فليس منا» ( [16] ) .

ذكر الإمام الطبري في رواية أن المغيرة بن شعبة من الذين لم يبايعوا عليا، وإذا صح هذا، فكيف نتصور نصيحته إياه وهو الذي لم يبايعه بعد؟!

على تقدير صحة هذه الرواية، لما امتاز المغيرة بن شعبة وحده بنصيحته من دون الصحابة؟! ثم هل كان المغيرة بن شعبة مستشارا خاصا للخلفاء من قبله حتى يلام على عدم قبول نصيحته؟!

وأما ما قيل عن استعمال علي - رضي الله عنه - القوة في غير موطنها بإيثاره الحرب على السلم والرفق في الأمور، فإن ذلك لم يعهد في سياسة علي - رضي الله عنه - إلا عند الضرورة، وعندما تفرض عليه الحرب فرضا.

ويمكن القول أن عليا وإن كان شجاعا بطلا مغوارا في الحروب؛ فإن ذلك ليس بداع ليلجأ إلى الحرب كل مرة، فلم يكن يلجأ إلى الحروب إلا حين لا يمكنه إخماد الفتنة إلا بها، ولم يكن هذا المسلك من عمله وحده، بل له شاهد في السيرة الراشدة؛ فهذا أبو بكر - رضي الله عنه - حين امتنع بعض العرب عن دفع الزكاة حاربهم؛ لأنه رأى أنه لا يجوز له التساهل في ذلك لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها، وحسابه على الله» . ( [17] ) وبين للصحابة وجه الاستدلال بهذا الحديث في قوله في الحديث السابق:"فإن الزكاة حق المال".

والمعهود من أسلوب علي - رضي الله عنه - في مواقفه استعمال الحكمة وعلاج الأمر بالرفق ما أمكن علاجه، فإذا لم يتمكن من ذلك؛ لجأ إلى الحرب، فعندما التقى بوفد أهل الكوفة بذي قار قال لهم:"... وقد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة، فإن يرجعوا فذاك ما نريد، وإن يلجوا داويناهم بالرفق، وبايناهم حتى يبدءونا بظلم".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت