ومن المؤكد أن عليا - رضي الله عنه - لم يول أحدا ممن كان له ضلع في مقتل عثمانـ رضي الله عنه -، بل ولى أخيار الناس على المسلمين، فمن الولاة الذين ولاهم على الأقاليم: سهل بن حنيف على الشام، وهو صحابي جليل شهد بدرا وأحدا، وثبت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وشهد أيضا الخندق والمشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وولى عثمان بن حنيف على البصرة، وهو صحابي من الأنصار كان عاملا لعمر على العراق. كما ولى قيس بن سعد بن عبادة على مصر، وكان صاحب شرطة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان جوادا من ذوي الرأي والذكاء، وولى عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب على اليمن، وهو أصغر من أخيه عبد الله بسنة، وكان كريما ممدحا نبيلا.
الثالث: وأما قولهم: إنه عزل العمال قبل أن تصل إليه بيعة أهل الأمصار، فإن تولية الإمام العمال على الأمصار غير مشروطة بوصول بيعة أهلها له عند جميع المسلمين، فمتى بايع أهل الحل والعقد - أي خليفة - لزمت بيعته جميع البلدان النائية عن مركز خلافته شرعا وعقلا.
ولو كانت تولية الخليفة العمال على الأمصار متوقفة على وصول بيعة أهلها له ما تمت بيعة الصديق - رضي الله عنه - لأنه تصرف بإرسال بعث أسامة ومحاربة المرتدين ومانعي الزكاة قبل وصول بيعة أهل مكة والطائف وجواثى في البحرين. وكذلك الفاروق - رضي الله عنه - فإنه استهل خلافته بعزل خالد بن الوليد وتولية أبي عبيدة بن الجراح قائدا عاما على جيوش المسلمين بالشام قبل وصول بيعة أهل اليمن وجيوش المسلمين بالشام والعراق إليه. وتصرف ذو النورين - رضي الله عنه - في أمور المسلمين أيضا قبل وصول بيعة الأمصار إليه.
الرابع: بالنسبة لما نقله هؤلاء الباحثون من كتب التاريخ من تحذير المغيرة بن شعبة عليا عاقبة عزله العمال في وقت مبكر ثم راجعه ونصحه بعزلهم، وقول ابن عباس لعلي: لقد نصحك في الأولى وغشك في الثانية، فهو باطل من عدة أوجه: