فهرس الكتاب

الصفحة 1003 من 5466

قال النووي: واعلم أن سبب تلك الحروب أن القضايا كانت مشتبهة، فلشدة اشتباهها اختلف اجتهادهم وصاروا ثلاثة أقسام؛ قسم ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في هذا الطرف، وأن مخالفه باغ، فوجب عليهم نصرته، وقتال الباغي عليه فيما اعتقدوه ففعلوا ذلك، ولم يكن يحل لمن هذه صفته التأخر عن مساعدة إمام العدل في قتال البغاة في اعتقاده، وقسم عكس هؤلاء: ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في الطرف الآخر، فوجب عليهم مساعدتهم وقتال الباغي عليه، وقسم ثالث: اشتبهت عليهم القضية، وتحيروا فيها، ولم يظهر لهم ترجيح أحد الطرفين فاعتزلوا الفريقين.

وكان هذا الاعتزال هو الواجب في حقهم، لأنه لا يحل الإقدام على قتال مسلم حتى يظهر أنه مستحق لذلك، ولو ظهر لهؤلاء رجحان أحد الطرفين، وأن الحق معه، لما جاز لهم التأخر عن نصرته في قتال البغاة عليه ( [15] ) .

رابعا. رؤية علي - رضي الله عنه - السياسية في عزل العمال والولاة:

إذا كان بعضهم يرى أن من أسباب تفاقم الفتنة عزل علي - رضي الله عنه - لجميع ولاة عثمان قبل أن تصل إليه بيعة أهل الأمصار، وقد حذره المغيرة بن شعبة عاقبة ذلك، فإن من الملاحظ أن هذا المأخذ غير وجيه لعدة أمور؛ وهي:

الأول: أن عليا - رضي الله عنه - إمام مجتهد له أن يعزل جميع عمال عثمان إذا رأى المصلحة في ذلك، وقد ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو المعصوم - خالد بن سعيد بن العاص على صنعاء، وعمرو بن العاص على عمان، فعزلهما الخليفة الصديق - رضي الله عنه - من بعده؛ عزل خالدا وولى مكانه المهاجر بن أبي أمية، وعزل عمرا وولى مكانه حذيفة بن محصن، وقد ولى أبو بكر - رضي الله عنه - القائدين العظيمين خالد بن الوليد والمثنى بن حارثة - رضي الله عنها - مكانهما، وولى على الكوفة المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - فعزلهما ذو النورين، وولى على مصر ابن أبي سرح، وعلى الكوفة سعد بن أبي وقاص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت