إن الخلاف الذي نشأ بين أمير المؤمنين علي من جهة، وبين طلحة والزبير وعائشة - رضي الله عنهم - من جهة ثانية، ثم بين علي ومعاوية - رضي الله عنهما - من جهة ثالثة لم يكن منشؤه أن هؤلاء كانوا يقدحون في خلافة أمير المؤمنين علي وإمامته، وأحقيته بالخلافة والولاية على المسلمين، فقد كان هذا محل إجماع بينهم، قال ابن حزم:"ولم ينكر معاوية قط فضل علي، واستحقاقه الخلافة، ولكن اجتهاده أداه إلى أن رأى تقديم أخذ القود من قتلة عثمان - رضي الله عنه - على البيعة، ورأى نفسه أحق بطلب دم عثمان".
وقال ابن تيمية:"ومعاوية لم يدع الخلافة، ولم يبايع له بها حين قاتل عليا، ولم يقاتل على أنه خليفة، ولا أنه يستحق الخلافة، وقد كان معاوية يقر بذلك لمن سأله عنه، ولا كان معاوية وأصحابه يرون أن يبتدئوا عليا وأصحابه بالقتال، ولا فعلوا"، وقال أيضا:"وكل فرقة من المتشيعين مقرة مع ذلك بأنه ليس معاوية أكفأ للخلافة من علي، ولا يكون خليفة مع إمكان استخلاف علي، فإن فضل علي وسابقته وعلمه ودينه وشجاعته، وسائر فضائله كانت عندهم ظاهرة معلومة، كفضل إخوانه أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم".
إن منشأ الخلاف لم يكن قدحا في خلافة أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - وإنما اختلافهم في قضية الاقتصاص من قتلة عثمان، ولم يكن خلافهم في أصل المسألة، وإنما في الطريقة التي تعالج بها هذه القضية، إذ كان أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - موافقا من حيث المبدأ على وجوب الاقتصاص من قتلة عثمان، وإنما كان رأيه أن يرجئ الاقتصاص من هؤلاء إلى حين استقرار الأوضاع وهدوء الأمور واجتماع الكلمة، وهذا هو الصواب.