وبقدر ما في هذه المواقف من الحنكة والسياسة الشرعية البارعة، فإن فيها كذلك احتراما لحق الغير في الاجتهاد، والمحافظة على حرمات المسلمين؛ فبعد أن تم له النصر لم يجهز على جريح، ولم يقتل مدبرا، ولم يسلب مالا، ولم يهتك سترا، وهي إجراءات تدل على تقدير الموقف من جوانبه المختلفة.
ويذكر الإمام الباقلاني خبرة علي السياسية وحسن تدبيره وثاقب رأيه وفطنته وذكاءه فيقول: هذا مع ما ظهر من إعظام كافة الصحابة له واتفاقهم على علمه وفضله وثاقب فهمه ورأيه وفقهه، وقول مثل عمر فيه:"لولا علي لهلك عمر"، وكثرة مطابقتهم له في الأحكام، وسماع قوله في الحلال والحرام، ثم ما ظهر من فقهه وعلمه في قتال أهل القبلة من استدعائهم، ومناظرتهم، وترك مبادأتهم، والنبذ إليهم قبل نصب الحرب معهم، وندائه: لا تبدءوهم بالحرب حتى يبدءوكم، ولا يتبع مدبر، ولا يجهز على جريح، ولا يكبس بيت، ورده رحالات القوم إليهم، وترك اغتنام أموالهم، وكثرة الأمر لابن عباس وغيره بقبول شهادة أهل البصرة وصفين إذا اختلطوا ووضعت الحرب أوزارها، والصلاة خلفهم، وقوله لمن سأل عن ذلك: ليس في الصلاة والعدالة اختلفنا، وإنما اختلفنا في إقامة حد من الحدود، فصلوا خلفهم واقبلوا شهادة العدول منهم، إلى غير ذلك مما سنه من حرب المسلمين حتى قال جلة أهل العلم: لولا حرب علي لمن خالفه لما عرفت السنة في قتال أهل القبلة.
هذا مع ما علم من شجاعته وغنائه وإحاطته علما بتدبير الجيوش وإقامة الحدود والحروب، وقوله - أي علي - ظاهرا من غير رد أحد حفظ عليه: إن قريشا تقول: إن ابن أبي طالب رجل شجاع، ولكن لا رأي له في الحرب، لله درهم، ومن ذا يكون أبصر بها مني وأشد لها مراسا، والله لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنا اليوم قد ذرفت - أي: زدت على الستين - ولكن لا إمرة لمن لا يطاع ( [14] ) .
ثالثا. تنازع الصحابة - رضي الله عنهم - إنما كان في أمر قتلة عثمان لا في أحقية علي بالخلافة: