وَمِمَّا اسْتُحْسِنَ مِنْ كَلَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] كَيْفَ اسْتَوَى؟ فَقَالَ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ، فَلْتُجْرَ آيَةُ الِاسْتِوَاءِ وَالْمَجِيءِ وَقَوْلُهُ: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] وَقَوْلُهُ: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن: 27] وَقَوْلُهُ: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} [القمر: 14] وَمَا صَحَّ مِنْ أَخْبَارِ الرَّسُولِ كَخَبَرِ النُّزُولِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ: الصَّوَابُ لِلْخَلَفِ سُلُوكُ مَسْلَكِ السَّلَفِ فِي الْإِيمَانِ الْمُرْسَلِ وَالتَّصْدِيقِ الْمُجْمَلِ، وَمَا قَالَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، بِلَا بَحْثٍ وَتَفْتِيشٍ.
وَقَالَ فِي كِتَابِ التَّفْرِقَةِ: الْحَقُّ الِاتِّبَاعُ وَالْكَفُّ عَنْ تَغْيِيرِ الظَّاهِرِ رَأْسًا، وَالْحَذَرُ عَنْ اتِّبَاعِ تَأْوِيلَاتٍ لَمْ يُصَرِّحْ بِهَا الصَّحَابَةُ، وَحَسْمُ بَابِ السُّؤَالِ رَأْسًا، وَالزَّجْرُ عَنْ الْخَوْضِ فِي الْكَلَامِ وَالْبَحْثِ، إلَى أَنْ قَالَ: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُبَادِرُ إلَى التَّأْوِيلِ ظَنًّا لَا قَطْعًا، فَإِنْ كَانَ فَتْحُ هَذَا الْبَابِ وَالتَّصْرِيحُ بِهِ يُؤَدِّي إلَى تَشْوِيشِ قُلُوبِ الْعَوَامّ بُدِّعَ صَاحِبُهُ، وَكُلُّ مَا لَمْ يُؤْثَرْ عَنْ السَّلَفِ ذِكْرُهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ بِأُصُولِ الْعَقَائِدِ الْمُهِمَّةِ فَيَجِبُ تَكْفِيرُ مَنْ يُغَيِّرُ الظَّوَاهِرَ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ قَاطِعٍ.
وَقَالَ أَيْضًا: كُلُّ مَا لَمْ يَحْتَمِلْ التَّأْوِيلَ فِي نَفْسِهِ وَتَوَاتَرَ نَقْلُهُ وَلَمْ يُتَصَوَّرْ أَنْ يَقُومَ عَلَى خِلَافِهِ بُرْهَانٌ فَمُخَالَفَتُهُ تَكْذِيبٌ مَحْضٌ، وَمَا تَطَرَّقَ إلَيْهِ احْتِمَالُ تَأْوِيلٍ وَلَوْ بِمَجَازٍ بَعِيدٍ، فَإِنْ كَانَ بُرْهَانُهُ قَاطِعًا وَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْبُرْهَانُ يُفِيدُ ظَنًّا غَالِبًا وَلَا يَعْظُمُ ضَرَرُهُ فِي الدِّينِ فَهُوَ بِدْعَةٌ، وَإِنْ عَظُمَ ضَرَرُهُ فِي الدِّينِ فَهُوَ كُفْرٌ.