وَأَبْنَائِنَا)
أَيْ: أَيُّ دَاعٍ لَنَا يَدْعُونَا إِلَى أَلَّا نُقَاتِلَ وَقَدْ وُجِدَ سَبَبُ الْقِتَالِ ، وَهُوَ إِخْرَاجُنَا مِنْ دِيَارِنَا بِإِجْلَاءِ الْعَدُوِّ إِيَّانَا عَنْهَا ، وَإِفْرَادِنَا عَنْ أَوْلَادِنَا بِسَبْيِهِ إِيَّاهُمْ وَاسْتِعْبَادِهِ لَهُمْ ؟ (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ) ذَلِكَ أَنَّ الْأُمَمَ إِذَا قَهَرَهَا الْعَدُوُّ وَنَكَّلَ بِهَا يَفْسُدُ بَأْسُهَا ، وَيَغْلِبُ عَلَيْهَا الْجُبْنُ وَالْمَهَانَةُ ، فَإِذَا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى إِحْيَاءَهَا بَعْدَ مَوْتِهَا يَنْفُخُ رُوحَ الشَّجَاعَةِ وَالْإِقْدَامِ فِي خِيَارِهَا - وَهُمُ الْأَقَلُّونَ - فَيَعْمَلُونَ مَا لَا يَعْمَلُ الْأَكْثَرُونَ ، كَمَا عَلِمْتَ مِنْ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (ثُمَّ أَحْيَاهُمْ) وَمَا هُوَ مِنْكَ بِبَعِيدٍ ، وَلَمْ يَكُنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ قَدِ اسْتَعَدَّ مِنْهُمْ لِلْحَيَاةِ إِلَّا الْقَلِيلُ .
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَفِي الْآيَةِ
مِنَ الْفَوَائِدِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ أَنَّ الْأُمَمَ الَّتِي تَفْسُدُ أَخْلَاقُهَا وَتَضْعُفُ ، قَدْ تُفَكِّرُ فِي الْمُدَافَعَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا وَتَعْزِمُ عَلَى الْقِيَامِ بِهَا إِذَا تَوَفَّرَتْ شَرَائِطُهَا الَّتِي يَتَخَيَّلُونَهَا عَلَى حَدِّ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَإِذَا مَا خَلَا الْجَبَانُ بِأَرْضٍ ... طَلَبَ الطَّعْنَ وَحْدَهُ وَالنِّزَّالَا