ومعناه واللَّه أعلم: أنهم إذا كانوا فيها يخرجوا مخرج الفرار إن تحولوا، أو أن الفرار أنجاهم إن لم يكونوا فيها فدخلوا فأصابهم فأماتهم اللَّه، يظنون أنهم إذا لم يكونوا فيها لم يصبهم ذلك. ففي الوجهين سيان القضاء. وقد جاء:"أن لا عدوى ولا هامة".
فَإِنْ قِيلَ: رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: أنه كان إذا مر على حائط مائل أسرع المشي، كيف نهى عن الخروج عن أرض فيها وباء وطاعون؟
قيل: إن كل ما كان مخرجه مخرج آية وفيها إهلاكهم فذلك لا يكون إلا بأمر سبق منهم، فحق مثله الفرار إلى اللَّه، لا إلى غيره.
وأما انكسار الحائط فليس لأمر سبق منه، فجائز أن يأخذ منه حذره.
هذا هو الفرق بينهما. واللَّه تعالى أعلم.
قال الشيخ - رحمه اللَّه تعالى -: ويجوز أن يكون فعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ليعلم أن مثله من الخوف لا يعد نقصانا في الدِّين؛ وذلك كالعدة تتخذ للحرب والأغذية للبدن، لا على ظن باللَّه أنه لا يملك الحياة دونها أو قهر العدو، ولكن على التأهب والائتمار؛ إذ قد جعل الذي خيف فيه والذي رجى. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ) ، حين أحياهم بعد ما أماتهم، وذلك فضل منه. و (لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ) ، بكل نعمة أنعمها عليهم، يستحق الشكر من الخلق بذلك.
هذه الآية على المعتزلة إذ قالوا: ليس لله أن يفعل بخلقه إلا الأصلح لهم في الدِّين، ولو فعل غير ذلك كان جائزا. فإذا كان هذا عليه، فأنى يكون الأفضل؛ وإنما يقال (ذو فضل) ، و (ذو مَنٍّ) ، إذا أعطى ما ليس عليه. وأما من أعطى ما كان عليه لا يقال: إنه (تفضل) أو (مَنٍّ) ، كمن يقضي دينًا عليه لآخر لا يستوجب الشكر بذلك، لأنه قضى ما كان عليه قضاؤه؛ فكذلك اللَّه تعالى إذا أخبر أنه (ذو فضل) و (ذو مَنٍّ) لم يكن ذلك عليه، فاستوجب الشكر على الخلق بذلك. وباللَّه التوفيق.