ولما أمر المكلفين بالقتال فِي سبيل الله أردف ذلك بقوله {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} أي فِي باب الجهاد ، كأنه ندب العاجز عن الجهاد أن ينفق على الفقير القادر على الجهاد ، وأمر القادر على الجهاد أن ينفق على نفسه فِي طريق الجهاد . و"ذا"فِي {من ذا} إما زائدة و"من"استفهام فِي موضع الرفع ، و"الذي"مع صلتها خبره أو موصولة و"الذي"بدلها أو اسم إشارة خبر"من"و"الذي"نعت له ، أو بدل منه . قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون"من"و"ذا"بمنزلة اسم واحد كما كانت"ماذا"لأن"ما"أشد إبهاماً من"من"إذا كانت"من"لمن يعقل . وقد بني الكلام على طريقة الاستفهام لأن ذلك أدخل فِي الترغيب والحث على الفعل من ظاهر الأمر . وقيل: إن هذا الكلام مبتدأ لا تعلق له بما قبله ، وإنما ورد مستأنفاً فِي الإنفاق إما على الإطلاق وهو الأليق بعموم لفظ القرض ، وإما الواجب منه لأن قوله {وإليه ترجعون} كالزجر . وهو إنما يليق بالواجب ، وأما غير الواجب لأن القرض بالتبرع أشبه وهذا قول الأصم . وقد يروى عن بعض أصحاب ابن مسعود أن المراد من هذا القرض هو قول الرجل"سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر". وعن النبي صلى الله عليه وسلم"من لم يكن عنده ما يتصدق به فليلعن اليهود فإنه له صدقة"ويشبه أن يكون الفقير الذي لا يملك شيئاً إذا كان فِي قلبه أنه إذا قدر أنفق وأعطى ، قامت تلك النية مقام الإنفاق . وعن الزجاج أن لفظ القرض حقيقة فِي كل ما يفعل ليجازى عليه . وأصل القرض القطع ومنه المقراض والانقراض لانقطاع الأثر ، ومن أقرض فكأنما قطع له من ماله أو عمله قطعة يجازى عليها . وقيل: إن لفظ القرض فِي الآية مجاز ، فإن القرض إنما يأخذه من يحتاج إليه لفقره وذلك فِي حق الله محال ، ولأن البدل فِي القرض المعتاد لا يكون إلا بالمثل وهنا يضاعف ، ولأن المال الذي يأخذه المستقرض لا يكون ملكاً له