فصل
قال الفخر:
ظاهر الآية يقتضي أن عندما يطلقها الزوج الثاني تحل المراجعة للزوج الأول، إلا أنه مخصوص بقوله تعالى: {والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثلاثة قُرُوء} [البقرة: 228] لأن المقصود من العدة استبراء الرحم، وهذا المعنى حاصل ههنا، وهذا هو الذي عول عليه سعيد بن المسيب فِي أن التحليل يحصل بمجرد العقد، لأن الوطء لو كان معتبراً لكانت العدة واجبة، وهذه الآية تدل على سقوط العدة، لأن الفاء فِي قوله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا} تدل على أن حل المراجعة حاصل عقيب طلاق الزوج الثاني إلا أن الجواب ما قدمنا. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 91}
وقال القرطبي:
اختلفوا فيما يكفي من النكاح، وما الذي يبيح التحليل؛ فقال سعيد بن المسيب ومن وافقه: مجرّد العقد كاف وقال الحسن بن أبي الحسن: لا يكفي مجرّد الوطء حتى يكون إنزال. وذهب الجمهور من العلماء والكافّة من الفقهاء إلى أن الوطء كاف فِي ذلك، وهو التقاء الختانين الذي يوجب الحدّ والغسل، ويفسد الصوم والحجّ ويُحصن الزوجين ويوجب كمال الصداق. قال ابن العربيّ: ما مرت بي فِي الفقه مسألة أعسر منها، وذلك أن من أُصول الفقه أن الحكم هل يتعلق بأوائل الأسماء أو بأواخرها؟ فإن قلنا: إن الحكم يتعلق بأوائل الأسماء لزِمنا أن نقول بقول سعيد بن المسيب. وإن قلنا: إن الحكم يتعلق بأواخر الأسماء لزمنا أن نشترط الإنزال مع مِغيب الحشفة فِي الإحلال، لأنه آخر ذوق العُسَيْلة على ما قاله الحسن.
قال ابن المنذر: ومعنى ذوق العسيلة هو الوطء؛ وعلى هذا جماعة العلماء إلا سعيد بن المسيب فقال: أما الناس فيقولون: لا تحل للأوّل حتى يجامعها الثاني؛ وأنا أقول: إذا تزوّجها تزوّجا صحيحاً لا يريد بذلك إحلالها فلا بأس أن يتزوّجها الأوّل. وهذا قول لا نعلم أحداً وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج؛ والسنة مستغنًى بها عما سواها.