وخاطب في هذه الآية الجماعة بعد ما أخبر عن اثنين؛ لأنّ ضمير الاثنين في {يَخَافَاَ} ليس يراد به اثنان مخصوصان، إنما يراد به أن كل من هذا شأنه فهذا حكمه.
والآخرُ: أن قولَه: (فإن خفتم) خطابٌ لولاة الأمر والفقهاء الذين يقومون بأمور الكافة، وقد خاطب الله تعالى في هذه الآية الجميعَ بقوله: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ} ثم رجع إلى الزوجين فقال: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا} ، ثم رجع إلى المخاطبين بالجمع بينهم وبين الزوجين في لفظ واحد فقال: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا} .
ومثل هذا النظم قد جاء في الشعر، قال:
أبا واصلٍ فاكْسُوهُما حُلَّتَيْهِما ... فإنكما إن تَفْعَلا فَتَيَانِ
نادى مفردًا ثم جمع بقوله: فاكسوهما، ثم ثنى.
ومعنى {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا} أي: عَلِمْتُم وغَلَب على ظنكم، (أن لا يقيما حدود الله) في حسن العشرة وجميل الصحبة {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} المرأةُ نفسَها من الزوج.
وإنما قال: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} والمقصودُ رفعُ الحرجِ عن الزوجِ في استرجاع المَهْرِ عند الخُلْع، لأنه لو خصَّ الرجلَ بالذكر لأوهم ذلك أنها عاصية بالنشوز والافتداء بالمال، لأنها ممنوعة من إتلاف المال بغير حق، فأدخلت في الذِّكْر ليزول هذا الوهم، وفيه وجوه سوى هذا ذكرناها في قوله: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 203] .
وقوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} الآية. يريد: ما حده الله من شرائع الدين. وذكرنا معنى الحد فيما تقدم.
وقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ} إلى آخر الآية، قال عطاء: يريد: من يأخذ من امرأته شيئًا وليست تريد أن تختلع منه، ويضارها ليأخذ منها شيئًا. انتهى انتهى {التفسير البسيط. 4/ 221 - 232} .