ومعنى قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا} أي: يَعْلَما، وإنما كان الخوف بمعنى العِلْم؛ لأن الخَوفَ مُضَارعٌ للظَّنِّ، وحكى الفراء: أن العرب تقول للرجل: قد خرجَ غُلامُك بغير إِذْنك، فيقول له: قد خِفْتُ ذاك، يريد: قد ظَنَنْتُه وتَوَهّمْتُه، وأنشد:
أتاني كلامٌ عن نُصَيبٍ يقولُه ... وما خِفْتُ يا سَلّام أنكَ عَائِبي
أراد: وما ظَنَنْتُ، والظَّنُّ بمعنى العِلْم صحيح، كذلك الخوف.
وحكى الزجاج عن أبي عبيدة، قال: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا} إلا أن يوقنا، وذلك أن في الخوف طرفًا من العلم، لأنك تخاف ما تعلم، وما لا تعلم لا تخافه، فجاز أن يكون بمعنى العلم، كما أن الظن لما كان فيه طرفٌ من العِلْم جاز أن يكون علمًا.
ومعنى الآية: أن المرأة إذا خافت أن تعصي الله في أمر زوجها بغضًا له، وخاف الزوج إذا لم تطعه امرأته أن يعتدي عليها، حل له أن يأخذ الفدية منها إذا دعت إلى ذلك.
ويكره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، فإن أخذ أكثر من ذلك صح الخلع ولم ينقض، وهو مذهب ابن عباس وابن عُمر ورجاء بن حيوة: أنه يجوز أن يأخذ زيادة من المهر.
ومذهب علي، والحسن، وأبي حذيفة وعطاء، والزهري والشعبي: أنه يأخذ المهر فقط. وليست هذه الحالة حالة بعث الحكمين؛ لأن المرأة معترفة هاهنا بمنع حق الزوج وكراهتها صحبته، وإنما الحكمان إذا اشتبه المتعدي منهما، وموضعه في سورة النساء. والخلع فسخ بلا طلاق عند ابن عباس، وهو قول الشافعي في القديم، وقوله في الجديد: إن الخُلع تطليقة بائنة، إلّا أن ينوي أكثر منها، وهو قول عثمان رضي الله عنه.
وقرأ حمزة {يُخَافَا} بضم اليَاءِ. وخَاف يتعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ، فإن عديته إلى مفعول ثان ضَعَّفْتَ العين، أو اجتلبتَ حرفَ الجر، كقولك: خَوَّفْتُ زيدًا أمرًا، واجتلاب حرف الجر كقوله:
لو خَافَكَ اللهُ عَليه حَرَّمَهُ