أحدها: أنه على بابِه من الحَذَرِ والخَشْيَةِ ، فتكونُ"أَنْ"فِي قراءةِ"غير حمزةَ فِي محلِّ جَرٍّ ، أو نصبٍ ؛ على حَسَبِ الخلافِ فيها بعدَ حذفِ حرفِ الجرِّ ؛ إذ الأصلُ: مِنْ أَلاَّ يُقِيمَا ، أو فِي محلِّ نصبٍ فقط ؛ على تعديةِ الفعلِ إليها بنفسِهِ ؛ كأنه قيل: إِلاَّ أَنْ يَحْذَرَ عَدَمَ إِقَامَةِ حُذُودِ اللهِ."
والثاني: أنه بمعنى العِلْم ، وهو قَوْلُ أبي عُبَيْدَة.
وأنشد [الطويل]
1109 - فَقُلْتُ لَهُمْ خَافُوا بأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ...
سَرَاتُهُمُ فِي الْفَارِسِيِّ المُسَرَّدِ
ومنه أيضاً: [الطويل]
1110 - وَلاَ تَدْفِنَنِّي فِي الفَلاَةِ فَإِنَّنِي...
أَخَافُ إِذَا مَا مِتُّ أَنْ لاَ أَذُوقُهَا
ولذلك رُفِعَ الفعلُ بعد"أَنْ"، وهذا لا يصحُّ فِي الآيةِ ، لظهورِ النَّصْب ، وأما البيتُ ، فالمشهورُ فِي روايتِهِ"فَقُلْتُ لَهُمْ ظُنُّوا بأَلْفَيْ".
والثالث: الظَّنّ ، قاله الفراء ؛ ويؤيِّدُهُ قراءةٌ أُبَيٍّ:"إِلاَّ أَنْ يَظُنَّا"؛ وأنشد: [الطويل]
1111 - أَتَانِي كَلاَمٌ مِنْ نُصَيْبٍ يَقُولُهُ...
وَمَا خِفْتُ يَا سَلاَّمُ أَنَّكَ عَائِبِي
وعلى هذين الوجهين ، فتكونُ"أَنْ"وما فِي حَيِّزها سَادَّةً مَسَدَّ المفعولَيْن عند سيبويه ومَسَدَّ الأول والثاني محذوفٌ عند الأخفش ؛ كما تقدَّم مراراً والأولُ هو الصحيحُ وذلك أَنَّ"خَافَ"مِنْ أفعالِ التوقُّع ، وقد يميل فيه الظنُّ إلى أحدِ الجائِزَين ، ولذلك قال الراغب:"الخَوْفُ يُقال لِمَا فيه رجاءٌ مَّا ؛ ولذلك لا يُقال: خِفْتُ أَلاَّ أَقْدِرَ على طلوعِ السماءِ ، أو نَسْفِ الجبالِ".
وأصلُ"يُقيمَا": يُقْوِمَا ، فَنُقِلَتْ كسرةُ الواوِ إلى الساكن قبلَها ، ثم قُلِبَتِ الواوُ ياءً ؛ لسكونها ؛ بعد كسرةٍ ، وقد تقدَّم تقريرُه فِي قوله: {الصراط المستقيم} [الفاتحة: 5] .