قوله:"أَنْ تَأْخُذُوا":"أَنْ"وما فِي حَيِّزها فِي محلِّ رفعٍ على أنه فاعل"يَحِلُّ"، أي: ولا يَحِلُّ لكُم أَخْذُ شَيءٍ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ.
و"مِمَّا"فيه وجهان"."
أحدهما: أن يتعلَّقَ بنفسِ"تَأْخُذُوا"، و"مِنْ"على هذا لابتداءِ الغاية.
والثاني: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من"شَيْئاً"قُدِّمت عليه ؛ لأنها لو تأَخَّرَتْ عنه لكانَتْ وصفاً ، و"مِنْ"على هذا للتبعيض ، و"مَا"موصولةٌ ، والعائدُ محذوفٌ ، تقديره: مِنَ الذي آتيتموهنَّ إِيَّاهُ ، وقد تقدَّم الإِشكالُ والجوابُ فِي حذفِ العائدِ المنصوب المنفصلِ عند قوله تعالى: {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3] وهذا مثلُه ، فَلْيُلْتَفَتْ إليه.
و"آتَى"يتعدَّى لاثنين ، أولهُما"هُنَّ"والثاني هو العائدُ المحذوفُ ، و"شَيْئاً"مفعولٌ به ناصبُه"تَأْخُذُوا".
ويجوزُ أن يكونَ مصدراً ، أي: شيئاً مِنَ الأَخْذِ.
والوجهانِ منقولانِ فِي قوله: {لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً} [يس: 54] .
قوله: {إِلاَّ أَن يَخَافَآ} هذا استثناءٌ مُفَرَّغٌ ، وفي"أَنْ يَخَافَا"وجهان: أحدهما: أنه فِي محلِّ نصبٍ على أنه مفعولٌ من أجلِهِ ، فيكونُ مستثنىً من ذلك العامِّ المحذوفِ ، والتقديرُ: وَلاَ يَحِلُّ لكُمْ أن تَأْخُذُوا بِسَبَب من الأسباب ، إلا بسببِ خوفِ عدم إقامة حُدُودِ الله ، وحُذِفَ حرفُ العلةِ ؛ لاستكمالِ شروط النصب ، لا سيما مع"أَنْ"ولا يجيءُ هنا خلافُ الخليلِ وسيبويه: أهيَ فِي موضع نصبٍ ، أو جرٍّ بعد حَذْفِ اللامِ ، بل هي فِي محلِّ نصبٍ فقط ، لأنَّ هذا المصدرَ لو صُرِّحَ به ، لنُصِبَ ، وهذا قد نصَّ عليه النحويُّون ، أعنِي كونَ"أَنْ"وما بعدها فِي محلِّ نصبٍ ، بلا خلافٍ ، إذا وقعَتْ موقعَ المفعولِ له.