فَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الرُّسُلَ هُمُ الَّذِينَ اسْتَيْأَسُوا كَانَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ دَخَلَ قُلُوبَهُمْ يَأْسٌ مِنْ غَيْرِ يَقِينٍ اسْتَيْقَنُوهُ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كَمَا قَالَ فِي قِصَّةِ نُوحٍ {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [هُودٍ: 36] ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ إِخْوَةِ يُوسُفَ {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا} [يُوسُفَ 80]
فَدَلَّ الظَّاهِرُ عَلَى أَنَّ يَأْسَهُمْ لَيْسَ بِيَقِينٍ، وَقَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ حَدَّثَنَا مالك،
عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ (عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: تَعْلَمُنَّ أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّ الطَّمَعَ فَقْرٌ وَأَنَّ الْيَأْسَ غِنًى وَأَنَّ الْمَرْءَ إِذَا يَئِسَ مِنْ شَيْءٍ اسْتَغْنَى عَنْهُ) فَجَعَلَ عمر الْيَأْسَ بِإِزَاءِ الطَّمَعِ، وَسَمِعْتُ أحمد بن المعدل يُنْشِدُ شِعْرًا لِرَجُلٍ مِنَ الْقُدَمَاءِ يَصِفُ نَاقَةً
صَفْرَاءُ مِنْ تَلْدِ بَنِي الْعَبَّاسِ ... صَيَّرْتُهَا كَالظَّبْيِ فِي الْكِنَاسِ
تَدِرُّ أَنْ تَسْمَعَ بِالْإِبْسَاسِ ... فَالنَّفْسُ بَيْنَ طَمَعٍ وَيَاسِ
فَجَعَلَ الطَّمَعَ بِإِزَاءِ الْيَأْسِ.
وَحَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سلام بن شرحبيل قَالَ «سَمِعَ (حبة بن خالد وسواء بن خالد أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَا: عَلِّمْنَا شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ"لَا تَيْأَسَا مِنَ الْخَيْرِ مَا تَهَزْهَزَتْ رُءُوسُكُمَا، فَإِنَّ كُلَّ عَبْدٍ يُولَدُ أَحْمَرَ لَيْسَ عَلَيْهِ قِشْرَةٌ، ثُمَّ يَرْزُقُهُ اللَّهُ وَيُعْطِيهِ) "
» وَحَدَّثَنَا علي بن عبد الله حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ قَالَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ لأبي حازم يَا أبا حازم مَا مَالُكَ. قَالَ خَيْرُ مَالٍ ثِقَتِي بِاللَّهِ وَيَأْسِي مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ. قَالَ: وَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى انْتَهَى.