وَآمَنَ بِهِ، فَسَامُوهُ أَنْوَاعَ التَّحْرِيفِ وَالتَّأْوِيلِ بِعَجْزِ عُقُولِهِمْ عَنْ حَمْلِهِ، كَمَا قَالَ أَخُوهُ الْمَسِيحُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَسَلَامُهُ؟ وَمَنِ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ قَوْلًا وَعَمَلًا وَاعْتِقَادًا فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَحْكَامِهِ وَأَفْعَالِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدْرِهِ، غَيْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! وَمَنْ هُوَ أَرَكُونُ الْعَالَمِ الَّذِي أَتَى بَعْدَ الْمَسِيحِ غَيْرُهُ؟ وَأَرَكُونُ الْعَالَمِ هُوَ عَظِيمُ الْعَالَمِ وَكَبِيرُ الْعَالَمِ، وَتَأَمَّلْ قَوْلَ الْمَسِيحِ فِي هَذِهِ الْبِشَارَةِ الَّتِي لَا يُنْكِرُونَهَا: أَنَّ أَرَكُونَ الْعَالَمِ سَيَأْتِي وَلَيْسَ لِي مِنَ
الْأَمْرِ شَيْءٌ، كَيْفَ وَهِيَ شَاهِدَةٌ بِنُبُوَّةِ الْمَسِيحِ وَبِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعًا، فَإِنَّهُ لَمَّا جَاءَ صَارَ الْأَمْرُ لَهُ دُونَ الْمَسِيحِ. فَوَجَبَ عَلَى الْعَالَمِ كُلِّهِمْ طَاعَتُهُ وَالِانْقِيَادُ لَهُ وَلِأَمْرِهِ، وَصَارَ الْأَمْرُ لَهُ حَقِيقَةً. وَلَمْ يَبْقَ بِأَيْدِي النَّصَارَى إِلَّا دِينٌ بَاطِلُهُ أَضْعَافُ أَضْعَافِ حَقِّهِ، وَحَقُّهُ مَنْسُوخٌ بِمَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَطَابَقَ قَوْلُ الْمَسِيحِ قَوْلَ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَنْزِلُ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا وَإِمَامًا مُقْسِطًا فَيَحْكُمُ بِكِتَابِ رَبِّكُمْ، وَقَوْلُهُ فِي اللَّفْظِ الْآخَرِ: فَأَمَّكُمْ بِكِتَابِ رَبِّكُمْ، فَتَطَابَقَ قَوْلُ الرَّسُولَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ، وَبَشَّرَ الْأَوَّلُ بِالثَّانِيِّ، وَصَدَّقَ الثَّانِي بِالْأَوَّلِ.