فَأَخْبَرَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي تَأْتِي فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِمَا لَمْ يَأْتِ بِهِ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا نَعَتَهُ بِهِ الْمَسِيحُ حَيْثُ قَالَ: إِنَّهُ يُخْبِرُكُمْ بِكُلِّ مَا يَأْتِي، وَلَا يُوجِدُ مِثْلُ هَذَا أَصْلًا عَنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُوجَدَ فِي شَيْءٍ أُنْزِلَ عَلَى قَلْبِ بَعْضِ الْحَوَارِيِّينَ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: وَيُعَرِّفُكُمْ جَمِيعَ مَا لِلرَّبِّ.
فَبَيَّنَ أَنَّهُ يُعَرِّفُ النَّاسَ جَمِيعَ مَا لِلَّهِ، وَذَلِكَ يَتَنَاوَلُ مَا لِلَّهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَمَا لَهُ مِنَ الْحُقُوقِ، وَمَا يَجِبُ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، بِحَيْثُ يَكُونُ مَا يَأْتِي بِهِ جَامِعًا لِمَا يَسْتَحِقُّهُ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَهَذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ غَيْرُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّهُ تَضَمَّنَ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ.
هَذَا كُلُّهُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَسِيحَ قَالَ: إِذَا جَاءَ الْبَارَقْلِيطُ الَّذِي أَرْسَلَهُ أَبِي فَهُوَ يَشْهَدُ لِي أَنِّي قُلْتُ لَكُمْ هَذَا حَتَّى إِذَا كَانَ تُؤْمِنُوا بِهِ.
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ شَهِدَ لَهُ، وَهَذِهِ صِفَةُ نَبِيِّ بَشَّرَ بِهِ الْمَسِيحُ، وَيَشْهَدُ لِلْمَسِيحِ،
كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ.
وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُوَبِّخُ الْعَالَمَ عَلَى الْخَطِيئَةِ، وَهَذَا يَسْتَحِيلُ حَمْلُهُ عَلَى مَعْنًى يَقُومُ بِقَلْبِ الْحَوَارِيِّينَ، فَإِنَّهُمْ آمَنُوا بِهِ وَشَهِدُوا لَهُ قَبْلَ ذِهَابِهِ، فَكَيْفَ يَقُولُ: إِذَا جَاءَ فَإِنَّهُ يَشْهَدُ لِي، وَيُوصِيهِمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ، أَفَتَرَى الْحَوَارِيِّينَ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ بِالْمَسِيحِ، فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ جَهْلِ النَّصَارَى وَضَلَالِهِمْ.