قَالَ: إِنْ كَانَ أَطْعَمَكُمْ مُوسَى خُبْزًا فَأَنَا أُطْعِمُكُمْ خُبْزًا سَمَاوِيًّا، يُرِيدُ نَعِيمَ الْآخِرَةِ وَلَوْ عَرَفُوا لَهُ مُعْجِزَةً مَا قَالُوا ذَلِكَ.
وَفِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي بِأَيْدِيكُمْ أَنَّ الْيَهُودَ قَالَتْ لَهُ: مَا آيَتُكَ الَّتِي نُصَدِّقُكَ بِهَا؟ قَالَ: اهْدِمُوا الْبَيْتَ أَبْنِيهِ لَكُمْ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلَوْ كَانَتِ الْيَهُودُ تَعْرِفُ لَهُ آيَةً لَمْ تَقُلْ هَذَا، وَلَوْ كَانَ قَدْ أَظْهَرَ لَهُمْ مُعْجِزَةً لَذَكَّرَهُمْ بِهَا حِينَئِذٍ.
وَفِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي بِأَيْدِيكُمْ أَيْضًا: أَنَّهُمْ جَاءُوا يَسْأَلُونَهُ آيَةً فَقَذَفَهُمْ، فَقَالَ: إِنَّ الْقَبِيلَةَ الْفَاجِرَةَ الْخَبِيثَةَ آيَةٌ، فَلَا تُعْطَى ذَلِكَ.
وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ لَهُ وَهُوَ عَلَى الْخَشَبَةِ بِظَنِّهِمْ: إِنْ كُنْتَ الْمَسِيحَ فَأَنْزَلَ نَفْسَكَ نُؤْمِنْ بِكَ، يَطْلُبُونَ بِذَلِكَ آيَةً فَلَمْ يَفْعَلْ.
فَإِذَا كَفَرْتُمْ مَعَاشِرَ الْمُثَلِّثَةِ عُبَّادَ الصَّلِيبِ بِالْقُرْآنِ لَمْ يَتَحَقَّقْ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ آيَةٌ وَلَا فَضِيلَةٌ، فَإِنَّ أَخْبَارَكُمْ عَنْهُ وَأَخْبَارُ الْيَهُودِ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهَا، لِاخْتِلَافِكُمْ فِي شَأْنِهِ أَشَدَّ الِاخْتِلَافِ وَعَدَمِ يَقِينِكُمْ لِجَمِيعِ أُمُورِهِ.
وَكَذَلِكَ الْيَهُودُ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ شَيْئًا مِنَ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي نَسَبْتُمْ إِلَيْهِ أَنَّهُ ادَّعَاهَا.
وَكَانَ أَقْصَى مُرَادِهِمْ أَنْ يَدَّعِيَ ذَلِكَ لِيَكُونَ أَبْلَغَ تَسَلُّطِهِمْ عَلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرْتُمُ السَّبَبَ
فِي اسْتِفَاضَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّ أَحْبَارَهُمْ وَعُلَمَاءَهُمْ لَمَّا مَضَى وَبَقِيَ ذِكْرُهُ، خَافُوا أَنْ يَصِيرَ عَامَّتُهُمْ إِلَيْهِ، إِذْ كَانَ عَلَى سُنَنٍ تَقْبَلُهُ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا غَرَضَ لَهُمْ، فَشَنَّعُوا عَلَيْهِ أُمُورًا كَثِيرَةً، وَنَسَبُوا إِلَيْهِ دَعْوَى الْإِلَهِيَّةِ تَزْهِيدًا لِلنَّاسِ فِي أَمْرِهِ.