بل كان نفس ظهوره ومجيئه تصديقا لنبوتهما. فإنهما أخبرا بظهوره، وبشرا به قبل ظهوره. فلما بعث كان بعثه تصديقا لهما.
وهذا أحد المعنيين في قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلَهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ؟ بَلْ جَاءَ بَالْحَقِّ وَصَدَّقَ المُرْسَلِينَ} [الصافات: 36 - 37] .
أي مجيئه تصديق لهم من جهتين.
من جهة إخبارهم بمجيئه ومبعثه، ومن جهة إخباره بمثل ما أخبروا به، ومطابقة ما جاءوا به لما جاءوا به. فإن الرسول الأول إذا أتى بأمر لا يعلم إلا بالوحي، ثم جاء نبي آخر لم يقارنه في الزمان ولا في المكان، ولا تلقى عنه ما جاء به، وأخبر بمثل ما أخبر به سواء، دل ذلك على صدق الرسولين الأول والآخر. وكان ذلك بمنزلة رجلين أخبر أحدهما بخبر عن عيان، ثم جاء آخر من غير بلده وناحيته، بحيث يعلم أنه لم يجتمع به، ولا تلقى عنه، ولا عمن تلقى عنه فأخبر بمثل ما أخبر به الأول سواء. فإنه يضطر السامع إلى تصديق الأول والثاني.
والمعنى الثاني: أنه لم يأت مكذبا لمن قبله من الأنبياء، مزريا عليهم، كما يفعل الملوك المتغلبون على الناس بمن تقدمهم من الملوك بل جاء مصدقا لهم، شاهدا بنبوتهم. ولو كان كاذبا متقولا منشئا من عنده سياسة، لم يصدق من قبله، بل كان يزرى بهم، ويطعن عليهم، كما يفعل أعداء الأنبياء.
(فَصْلٌ آخر)
قال في (هداية الحيارى)
وَنَحْنُ نُبَيِّنُ لَهُمْ أَنَّهُمْ لَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُثْبِتُوا لِلْمَسِيحِ فَضِيلَةً وَلَا نُبُوَّةً وَلَا آيَةً وَلَا مُعْجِزَةً إِلَّا بِإِقْرَارِهِمْ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ، وَإِلَّا فَمَعَ تَكْذِيبِهِ إِيَّاهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ لِلْمَسِيحِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ. فَنَقُولُ: إِذَا كَفَرْتُمْ مَعَاشِرَ الْمُثَلِّثَةِ عُبَّادَ الصَّلِيبِ بِالْقُرْآنِ وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنْ تُثْبِتُوا لِعِيسَى فَضِيلَةً أَوْ مُعْجِزَةً؟